أعلنت السلطة السورية الإخوان المسلمين خطا أحمر، لكنها لم تعلن منع الحديث عنهم، ولو فعلت ذلك، لما منعني إعلانها من إثارة أمرهم من جديد، لاعتقادي أن قضيتهم ترتبط بمصالح الوطن العليا، التي لطالما تخطت خلال السنوات الأربعين الماضية السلطة وسياساتها واجتهاداتها وحساباتها، أو اختلفت عنها.

ومع معرفتي بقلق السلطة وقطاع واسع من السوريين مما يلازم مشكلة الإخوان من تعقيدات ومخاوف محقة، فإنني أعتقد أن هذا لا يجوز أن يحجب عن أعيننا أمرين مهمين جدا هما:

إنه ليس باستطاعة السلطة التمسك إلى الأبد بموقف العداء المطلق تجاه الإخوان، فالسياسة حمّالة أوجه، وما يعتبر اليوم قضية مبدئية قد يصير غدا ثانوي الأهمية، وهناك ألف طريقة للتعامل مع مشكلة من المشكلات، ومن الصواب إبقاء عقولنا مفتوحة على الاحتمالات المختلفة في زمن تغير سريع، من الضروري أن تكون ردود فعلنا عليه مرنة وقادرة على التكيف مع متطلباته، وإلا كان الجمود و”المبدئية” طريقا للكسر والعصر. ليس من الصواب قطع أي نوع من أنواع التواصل مع الإخوان، ولا مفر من تطوير بدائل كثيرة يمكن بواسطتها اختبار صحة نياتهم وحقيقة مخططاتهم وسياساتهم، منها، على سبيل المثال لا الحصر، إجراء حوار مباشر معهم، وفق جدول أعمال تضعه السلطة، على أن يكون سياسيا ذا أبعاد أمنية وليس أمنيا صرفا، وأن تشارك فيه، في مرحلة لاحقة، قوى سياسية أخرى، فيترتب عليه فضاء سياسي واسع يستطيع احتواء الإخوان وأخطار عودتهم إلى البلد، وتمكينهم من ممارسة سياسة متوافق عليها وطنيا، لا بأس إن طرحت على استفتاء عام ونالت موافقة شعبية واسعة تلزمهم وغيرهم من الأحزاب والقوى بطرق في العمل السياسي والعام تخلو من العنف والإكراه، وتنضوي تحت عناوين وأهداف وطنية جامعة، ليست محل شك أو اعتراض من أحد، ويعتبر الخروج عليها انتهاكا للوحدة الوطنية سيجد مرتكبه جميع قوى السياسة في مواجهته، وسيعزل نفسه عن الشعب بسببه.

من المفهوم أن المصالحة بين السلطة والإخوان وبقية قوى المعارضة تعتبر صعبة ومستبعدة في الإطار السياسي الراهن، إطار سيطرة حزب واحد على الأمور. ومن المنطقي الاعتقاد بأن أي تغيير في الحال القائمة سيؤدي إلى تغيير في الموقف من القوى الأخرى، الديموقراطية والإسلامية، فلماذا لا يكون الحوار والتواصل معها خطوة أولى على طريق تغيير سيأتي به لا محالة اقتصاد السوق الاجتماعي وما سيصاحبه من أفكار وأساليب عمل مغايرة لأفكار وأساليب الحقبة الراهنة ؟

وإذا كان الموقف من الإخوان في حقيقته موقفاً من الآخر والمختلف عموما، فإلى متى تستطيع السلطة الاستئثار بالحكم والانفراد بالقرار، إن كان الحوار مع الآخرين قد يغدو ذات يوم أداة إنقاذ مصالح الدولة والوطن العليا، وسبيل السلطة والمجتمع إلى رد الأخطار عن البلاد؟ ليس من الصواب سد الباب أمام ما في السياسة من احتمالات وممكنات، وليس من الصحيح سياسيا ووطنيا التمسك بخيار وحيد في العلاقات مع الآخر، خاصة إذا كان الخيار الوحيد يلحق اليوم ضررا شديدا بالحياة السياسية، ويضع السلطة والقوى الديموقراطية في مواجهة اليوم، وينزل غدا ضررا أكبر بالسلطة، التي قد تجد نفسها في مواجهة تشكلات لا تعرف كيف تتعامل معها بغير القمع والعنف، مع ما سينجم عنهما من مشكلات داخلية وخارجية تجعل المرحلة الحساسة الراهنة السلطة في غنى عنها.

- أن ثمة بديلين إسلاميين في المنطقة العربية والعالم، يقول أحدهما بالاحتكام إلى الديموقراطية والوسائل السلمية، ويقول الآخر بالاحتكام إلى العنف والسلاح. وبما أن الإخوان هم اليوم أبرز أنصار الخيار الأول، فإن الامتناع عن الحوار معهم وإعلانهم خطا أحمر ومنعهم من العمل وملاحقتهم خطأ يعزز بالضرورة التيار الثاني، الذي أعلنت السلطة اخيراً أنه واجهها أكثر من مرة، وأنه يعد العدة لنقل العنف إلى داخل سوريا. لا حاجة، طبعا، إلى التأكيد على أن انفجار العنف سيضعف تياري الاسلام السلمي والديموقراطي العلماني كليهما، وسيثير صراعا مسلحا حده الأول السلطة وحدّه الثاني الأصوليات الإسلامية، التي تكفّر التيار الديموقراطي الإسلامي والنظام والمعارضة الديموقراطية في آن واحد.

فليس من المنطقي أو المعقول أن يكون للسلطة مصلحة في إضعافهما أو شطبهما من الحياة العامة، ما دام ذلك سيدفع بالمواطنين إلى أحضان الأصولية والتطرف، وسيضفي طابعا شديد الضراوة والعنف على الحياة السياسية الداخلية، وسيفتح الباب لتدخل الخارج في شؤون سوريا، سواء لجأ الإخوان إلى التعامل معه، أو أيدت الولايات المتحدة الأعمال المسلحة ضد السلطة، وهو احتمال غير مستبعد إطلاقا في ظل ما يقال عن وجود خطة أميركية تريد وضع سوريا إسلامية متشددة في مواجهة عراق شيعي، وتفجير حرب أهلية عربية واسعة في حال عجزت واشنطن عن إخماد المقاومة في العراق.

ليس من مصلحة سوريا، إذن، انتهاج سياسة عدم تمييز بين الإسلاميين، تفتقر إلى أولويات واضحة تجاههم، وتخلو، بسبب عقلية الخطوط الحمراء، من هوامش - تكتيكية واستراتيجية - تساعدها على التعامل معهم باعتبارهم خطوطا وألوانا متمايزة، وليسوا كتلة واحدة موحدة لا ينفع معها غير القمع والردع، علما بأن عقلية الخطوط الحمراء لن تلبث أن ترى في القوى الديموقراطية مجرد احتياطي داخلي للإخوان، من الضروري قمعه، كي لا يمكنّهم من اختراق البلد!

قلت في مقالة سابقة نشرتها النهار ( يوم 24 / 7): من غير الجائز التعامل بعقلية الثمانينات مع موضوع على هذا القدر من التعقيد، يتجدد في ظرف دولي وإقليمي اختلف اختلافا جذريا عن حقبة الثمانينات، وظرف محلي غيّر الإخوان خطهم فيه تغييرا جديا، وألزموا أنفسهم بسياسات تقوم على الحوار والتوافق والسلم المدني والأهلي، من الصواب أن تختبر السلطة صدقيتها بأكثر الطرق جدية ومسؤولية. وأضيف هنا: إن هذه العقلية توشك أن تتسبب في نشوب معركة تتسم بقدر شديد من العداء بين السلطة والقوى الديموقراطية، التي تمد لها يد المصالحة والحوار والتفاهم منذ خمسة أعوام، ويعني قمعها ووجود الخط الأحمر تجاه الإخوان، أن السلطة تتعمد التخلي عن نهج الإصلاح وتعمل على شق البلد معسكرين: واحد معها وآخر إلى جانب الأصوليين، مع ما يعنيه ذلك من قمع اليوم... وتدخل خارجي غدا!.

مصادر
النهار (لبنان)