لبنان "ديمقراطي" بكل المعايير!! حتى بأحقيته في اختراق هذه المعايير. ولبنان مكان للرأي الحر وهذا ما تعلمناه قبل أن نعي أن مراحل مضت كانت بيروت فيها "جنة الحرية" وأصبحت حتى في أوج الحرب الأهلية مساحة يستطيع الجميع التعامل مع مناخها الثقافي.

ولبنان "الديمقراطي" حمل معظم رواد الحداثة السوريين إليه منذ بداية مرحلة النهضة العربية وحتى الأمس القريب .. فما المانع في أن يستضيف اجتماعا لـ"الأخوان المسلمين"!!! هذا السؤال بذاته يؤلم "التاريخ" وربما يضيف إلى "الفوضى البناءة" المعتمدة دوليا اليوم مزيدا من الأرق والقلق ... فالأزمة ليست في الديمقراطية بل بصورها المستحدثة.

اجتماع الإخوان حدث عادي لو جرى بعد عشر سنوات، أو قبل هذا التاريخ المأزوم ... واجتماع الأخوان دليل صارخ على أن "الديمقراطية" وصلت لذروتها "التراثية" ... وبأن الأحقاد القبلية ربما تدفع الحداثة إلى اعتمار العمامة والتحصن بالتعاويذ.

الموضوع اليوم ليس مسألة الأخوان أو أساليب المعالجة لها، لكن خبر الاجتماع بذاته يعيد صياغة ذاكرتنا تجاه بيروت التي حملت شعراء الحداثة السوريين .. وضمت أعلام التغيير الاجتماعي، وغدت مساحة لحرية "التطرف" الحداثي بكل ألوانه.

دعاة الديمقراطية سيفسرون الحدث بمفهوم الحرية .. ونحن لا نملك التفسير لكننا نرصد تحول الدور الذي تعلمناه من لبنان .. ونحن لا نستطيع إلا تذكر "أدونيس" و "نزار قباني" تجربة "مجلة شعر" وغيرها من المعالم التي ربطت الحداثة ببيروت، وجعلت من هذه العاصمة ذاكرة داخل القرن العشرين ... فهل يمكن نسف هذه الذاكرة ...

الدور التراثي مكفول في معظم عواصم العالم .. والدور التراثي هوية في العالم العربي .. وما يمكن أن يحدث لاحقا هو ما يقلقنا وليس حدث الاجتماع بذاته أو لعب البعض على ورقة معارضة سورية ...