الجميع في لبنان يتحدثون عن مرحلة انتقالية بدأت بانسحاب الجيش السوري من لبنان في السادس والعشرين من نيسان الماضي. ويقولون ان العمل الذي يقوم به خلالها اللبنانيون بمساعدة المجتمعَين العربي – الاقليمي والدولي يفترض ان يكون تأسيسيا. اي تأسيسا للبنان جديد ولكن منطلق من اتفاق الطائف لعام 1989 الذي ارتضاه الشعب اللبناني ميثاقا وطنيا جديدا، البعض عن اقتناع والبعض الآخر لعدم وجود بديل احسن منه، والذي اجتزىء تطبيقه برعاية نصوصه وبالتغاضي عن روحه لاسباب عدة صارت معروفة لفرط تداولها.

لكن احدا لا يتحدث عن مدة هذه المرحلة الانتقالية او عن العناصر التي تكونها والقضايا التي يفترض معالجتها اثناءها الامر الذي ابقى اللبنانيين ضائعين وخائفين من المستقبل ومتوجسين شرا من التطورات التي قد تحصل او بالاحرى من المجهول الذي ينتظرهم. وقد يكون اخطر من المعلوم. كما ان احدا لا يتحدث عن هوية الجهات التي يفترض ان تحدد المرحلة المشار اليها وان تضع روزنامتها او جدول اعمالها. فهل هي لبنانية ام عربية ام دولية ام هي نتاج جهد مشترك لبناني – عربي – دولي؟ وهل يأخذ جهدها وعملها في الاعتبار مصالح لبنان وحده واي لبنان؟ ام يأخذ في الوقت نفسه مصالح القوى التي شاركت في احداث التغيير في البلاد او في اطلاقه؟ وما مدى التوافق او التناقض بين هذين النوعين من المصالح؟

هل يمكن توضيح الامور المتعلقة بالمرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان وبالقضايا التي يفترض معالجتها كي يصبح ممكنا انتقاله الى المرحلة النهائية اذا جاز التعبير اي الى مرحلة الاستقرار ومتابعة بناء الدولة؟

ذلك ممكن يجيب متابعو الوضع اللبناني عن قرب من زمان ولا سيما منهم الذين عاشوا في قلب مرحلة بداية التغيير في لبنان وان من مواقع مختلفة. فالموضوعات التي يفترض او كان يفترض ان يعالجها اللبنانيون بعد الانسحاب السوري من بلادهم خلال المرحلة الانتقالية كثيرة. الا ان اهمها وابرزها في رأيهم ثلاثة. الاول اجراء انتخابات نيابية تظهر نتائجها رغبة اللبنانيين في التغيير وعزمهم على السير فيه وفقا للاصول في الجمهورية اللبنانية ذات النظام الديموقراطي البرلماني. واجريت هذه الانتخابات رغم الاعتراض على قانون الانتخاب لعدم عدالته في دوائر عدة لان التغييريين في لبنان والرعاة الدوليين للتغيير فضلوا انتخابات بقانون "أعرج" على المخاطرة بارجاء محدود وقصير لها وذلك خشية ان يحصل ما يجعل الارجاء دائما. ويعتقد كثيرون في لبنان وخارجه ان هذه الخشية كانت في محلها. واظهرت النتائج ميلا تغييريا واضحا عند غالبية اللبنانيين. والثاني تأليف حكومة تعكس نتائج الانتخابات النيابية المذكورة وتتولى قيادة البلاد في المسار الجديد. اي مسار تثبيت استعادة لبنان سيادته واستقلاله وحريته واستكمال بناء دولته بكل مؤسساتها السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية والاجتماعية بطريقة تنسجم مع التطلع الى المساواة وتكافؤ الفرص وبعيدة من الفساد المتفشي لدى الجميع. وتألفت هذه الحكومة المطلوبة عاكسة وإن في الحد الادنى نتائج الانتخابات واهتمامات الرعاة الدوليين والاقليميين. اما الموضوع الثالث فهو ازالة مفاعيل التمديد لرئيس الجمهورية العماد اميل لحود والذي قررته سوريا خلافا لرغبة اللبنانيين وفي مقدمهم حلفاؤها. وذلك يعني ذهاب لحود الى منزله ويُفضل ان يكون ذلك بارادته تلافيا لانعكاسات كثيرة غير محمودة وانتخاب رئيس جديد للبلاد يعكس المزاج الشعبي العام الذي اظهرته في وضوح نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة. هذه القضية لا تزال من دون معالجة على الاقل حتى الآن. فالرئيس لحود رفض اكثر من مرة انهاء ولايته المحددة بثلاث سنوات قبل انتهائها. والبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير رفض الامر نفسه وان على نحو غير مباشر رابطا بينه وبين اجراء الانتخابات النيابية وتاركا لمجلس النواب الجديد مهمة النظر في هذا الموضوع. والتطورات السياسية التي حصلت قبل الانتخابات وخصوصا على الصعيد المسيحي والتي اثرت سلبا على وحدة المعارضة المتنوعة بل على وحدة 14 اذار خففت كثيرا من "الحشرة" التي كان يعيشها رئيس الجمهورية وربما العزلة، وجعلت احتمالات اكماله ولايته قائمة او بالاحرى قلصت من امكان اجماع غالبية اللبنانيين وسياسييهم على ازاحته من موقعه.

هل يعني ذلك ان المرحلة الانتقالية التأسيسية الراهنة ستستمر حتى خريف سنة 2007 موعد إنتهاء الولاية الممددة للرئيس لحود؟

نعم من حيث المبدأ يجيب متابعو الوضع اللبناني انفسهم. لكنهم يلفتون الى امر قد يقلص مدة هذه المرحلة الانتقالية اما الى منتصف ايلول المقبل واما الى منتصف كانون الاول الذي يليه هو التقرير الذي يفترض ان تصدره لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري. فاذا طال هذا التحقيق قريبا او قريبين من الرئيس لحود مباشرة او مداورة، وذلك قد يكون محتملا في ضوء ما نشرته صحيفة "الفيغارو" الفرنسية نقلا عن رئيس اللجنة ديتليف ميليس قبل مدة قصيرة، فان الاصوات المطالبة باستقالة الرئيس سترتفع من جديد كما ان الاصوات الداعية الى اكماله ولايته قد تنخفض فضلا عن ان عددها قد يقل. وطبعا سيزيد ذلك التوتر الذي يسود البلاد حاليا علما انه "غير قليل" على الاطلاق. اذ لا يعرف احد ماذا ستكون النتائج وخصوصا اذا دخل "المعنيون" الدوليون على خط الاستقالة و"المعنيون" الاقليميون على خط رفضها ومعهم عدد من "المعنيين" المحليين. اما اذا لم يتطرق التحقيق الى محيط الرئاسة الاولى فان "الانتقالية" قد تستمر حتى موعد انتهاء ولاية شاغلها حاليا.

في اختصار، وسواء استقال الرئيس قبل انتهاء ولايته او اكملها وسواء طالت المرحلة الانتقالية او قصرت فان الوضع اللبناني سيبقى مفتوحا على كل الاحتمالات ولاسيما السلبية منها. ذلك انه مكشوف وعلى كل الصعد والمستويات. وهذا ما يجب ان يتحسب له اللبنانيون وان يخافوا منه.

مصادر
النهار (لبنان)