هدّأت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة من رَوْع أزمة العلاقات اللبنانية السورية، لكنها لم تُنهها. كان على أحد، من كلتا ضفتي الحدود، ان ينثر كثيرا من <<الرماد>> فوق <<جمر>> الاحتقان المشتعل بين البلدين منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فتولى فؤاد السنيورة هذه المهمة الصعبة، التي زادها تعقيدا انه ينتمي الى تيار سياسي (<<المستقبل>>) خاض معاركه الانتخابية الأخيرة على وقع خطابات القطيعة والعداء مع سوريا، وبنى تحالفاته السياسية بما يكرّس هذه القطيعة، ويزيد هذا العداء. كان فؤاد السنيورة يعرف ان مهمته مستحيلة. كان يدرك، بخبرته وتجربته السياسيتين، ان احدا لن يستطيع اخماد الحريق الناشب بين البلدين، وان الأزمة التي استفحلت اخيرا، لن تكفي، لتجاوزها، زيارة واحدة، حتى لو جاءت من رئيس حكومة لبنان. فما تنتظره سوريا اكثر، وربما فوق طاقة فؤاد السنيورة نفسه، عن الإيفاء به. فدمشق تنتظر مبادرة نحوها، يقوم بها رئيس الاغلبية النيابية، وهو ما يبدو انه ليس ضمن اولويات النائب سعد الحريري، أقله حتى اليوم.

لم تكن العلاقات اللبنانية السورية، يوما، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، علاقات سوية. كانت دائما مسكونة بالكثير من الالتباس، ومشحونة بالكثير من الفوقية <<الرسمية>> السورية، والدُّونية <<الرسمية>> اللبنانية. لم يتمَّ يوما، منذ <<ترسيم>> هذه العلاقات، من قبل نظام ما بعد الطائف اللبناني <<القاصر>>، ومن قبل النظام <<الرسمي>> السوري، الوصيّ عليه، تأسيسُ هذه العلاقة إلا لتكون بين نظام <<تابع>> وآخر <<وصيّ>>. كان نظام <<الأبوّة>> العربي، قابعا في تفاصيل هذه العلاقة. ولم يُعمَل أبدا، من كلا الطرفين، السوري <<الرسمي>> واللبناني <<الرسمي>>، على رسم مدى أرحب لهذه العلاقة. لم يُعمل ابدا لتحميل العلاقات اللبنانية السورية <<بعضاً>> من معنى <<الاخوة>> الملازم لها، فتكون بين شقيقين أخوين، متساويين في الحقوق والواجبات وتحمّل المسؤوليات، لا ان تظل، كما كانت، وكما أُريد لها ان تكون، وكما يبدو انه يُراد لها ان تستمر، علاقة بين أب راعٍ (سوريا) وابن قاصر (لبنان).

لم تكن العلاقات اللبنانية السورية، منذ اعادة ترسيمها وترسيخها، كأمر واقع، على النحو الذي كانته، بعد اتفاق الطائف، علاقةً سياسية بين دولة ودولة. لم تحضر فيها السياسة، اصلاً، ولم تُبنَ على برامج ودراسات اقتصادية، ولا على مصالح لدولتين متكافئتين، ان كانت هي اصلا قائمة بين دولتين متكافئتين... وإنما كان الأمن هاجسها ورمزها الوحيدين. كانت علاقة بين نظام سوري، خرج من عباءة الأمن وطوّع الاقتصاد والسياسة لخدمة مشروعه وتبريره، وبين <<نظام ظِلّ>> رسمي لبناني، أُريد له ان ينحو المنحى نفسه، وان <<يَقتل>> السياسة والاقتصاد لصالح الأمن، ولصالح بقائه قابضا على مفاصل البلد.

وهكذا، تم الافتئات على العلاقة بين البلدين التي طالما قيلت ودُبِّجت فيها <<قصائد>> الاخوّة، وادُّعيَ ورُوِّج انها نموذج (!!) لما يمكن ان تقوم عليه العلاقات العربية العربية، مستقبلاً ورهنُها بمصالح المستفيدين من كلا النظامين الرسميين، السوري واللبناني. وتم اغتيال اي تصويب، او تقويم حقيقي ممكن، للاخطاء والخطايا التي كانت تشوب هذه العلاقة، وتقزمها وتحزبها، ومُنع اي مسعى جدي وصادق لوقف انهيار جدار اللاثقة، الذي كان يكبر يوماً بعد يوم، وخطيئةً بعد خطيئة، ويتغلغل في مفاصل هذه العلاقة وتفاصيلها، ويحجب عنها المستقبل.

وسط هذا الالتباس، والاصرار الغريب على استمرار تقديم الامن على السياسة، جاءت ازمة <<حجز>> الشاحنات على الحدود اللبنانية السورية، تتويجا لأزمة مستفحلة بين البلدين، زادتها هوةً واتساعاً اتهاماتُ لبنانية لسوريا بعد زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولم تخلقها من عَدَم. كان ثمة ازمة يتغاضى عنها القيّمون على نظامي البلدين، ويؤجلون انفجارها، من دون ان يعني ذلك انها لم تكن موجودة، او انهم نجحوا في إبطال صاعقها. كانت فحوى الأزمة، ان العلاقات اللبنانية السورية تم رهنها لمجموعة من المستفيدين على جانبي الحدود والمنظرين، وتجار المناسبات... والوصايات (بعضهم انتقل الى التنظير و<<التطبيل>> لوصايات جديدة!!). كما ان فحوى الأزمة كمنت ايضا في عدم تفعيل <<نموذج>> العلاقات اللبنانية السورية، بما يمكن ان يؤسس لعلاقات ثنائية، ندية، تقوم بين طرفين متكافئين، بما يحفظ حقوق كل طرف وسيادته واستقراره الاقتصادي والاجتماعي.

لم يسعَ أحد من المسؤولين، على ضفتي الحدود، ليؤسس لعلاقات تفيد الشعبين واقتصادي البلدين وتعمل على تكاملهما، وتلغي اي بؤر متفجرة قد تقوم بينهما (الاتحاد الاوروبي نموذجا)، بدلا من ان تفيد بعض السياسيين والأمنيين واصحاب الامتيازات المشبوهة، في كلا البلدين.

وعندما جاءت <<ساعة الحقيقة>>، وكشر المجتمع الدولي و<<الوصايات>> الجديدة عن انيابها، تم ركنُ كل النظريات و<<النبوءات>> والشعارات (كثيرا ما عُمل على تجويفها وتفريغها من اي معنى) التي كانت تقول، صبح مساء، بوحدة المسار والمصير، وبالهمّ القومي العربي... تم ركنها بعيدا، واستُعيض عنها بشعارات مغايرة، ومناقضة، تحمل من التهديد والتخوين ما يمكن ان يبدد، اذا ما استمرا، اي امكانية لاعادة تصحيح مسار العلاقة وتصويبها بين البلدين... والاخطر: بين الشعبين.

ومثلما تم، من قبلُ، زمنَ الوصاية السورية، تقديمُ الامن والامتيازات الخاصة على السياسة، ها قد تم، على نحو مشابه، في ظل الأزمة التي هددت بتفجير العلاقة بين الشعبين، ويُخشى ان تعود وتتفاعل بين البلدين، تقديمُ القطري والكياني على حساب القومي والوحدوي. وأصبحت النسخة المستجدة للعلاقة اللبنانية السورية، نموذجا حقيقيا، هذه المرة، و<<حَمْلا>> صادقا لما يمكن ان تتمخض عنه اي علاقات عربية عربية.

مصادر
السفير (لبنان)