بصرف النظر عما تتحمله الدبلوماسية العربية من المسؤولية في دفع الأمور إلى ما هي عليه وتعريض استقرار المنطقة برمتها ومستقبلها وسيادتها للمخاطر، يظل السؤال الأهم الذي لا يمكن للمعارضة الديمقراطية العربية أن تهرب منه هو التالي: إلى أي حد لا يخدم الضغط على النظم العربية اليوم، الأهداف الأميركية بدل أن تخدم الضغوط الأميركية المعارضة الديمقراطية أو بالأحرى التحويلات الديمقراطية؟ وكيف يمكن العمل بحيث لا يكون النضال الديمقراطي العربي وسيلة لإضعاف السيادة الوطنية وخلق الشروط التي يصبح فيها من الأسهل تهديد استقلال البلاد وحريتها؟ ليس الجواب على مثل هذا السؤال الحقيقي سهلا على المعارضة العربية في ظل نظم عربية استثنائية في تحديها لكل معايير الحياة السياسية الطبيعية واعتمادها من أجل البقاء على تأبيد قوانين الطوارئ والأحكام العرفية. نظم ترى في التعاون مع الدول الأجنبية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، الضامن الوحيد لسيادتها الشكلية واستقلالها والحليف الرئيسي لها في كفاحها البطولي ضد شعوبها ومصادرتها حقوقهم السياسية. وهي أكثر من ذلك لا ترى الأمور بالمنظار نفسه ولا تكف عن تذكير الأميركيين بضرورة التحالف المشترك ضد القوى المتطرفة الإسلامية أو القومية وتعتقد، بالرغم من كل ما حصل ويحصل، أن ما تعيشه مع واشنطن هو مجرد أزمة قابلة للحل. ولذلك فهي ميالة، بعكس المعارضة التي لا تكف عن التذكير بالمخاطر الخارجية، إلى عدم المبالغة في تفسير ما يحصل واعتبار الموقف الأميركي أقرب إلى معركة إعلامية هدفها تطويع النظم العربية وليس المساس بها أو تغييرها.

وليس الجواب أيضا سهلا على هذه المعارضة في ظل نظم لا ترحم وتستخدم وسائل لا حدود لها في القمع. وليس سهلا أيضا في نظم تعلق أملها في البقاء على ما تستطيع أن تقدمه من خدمات للاستراتيجية الأميركية ولا تتردد هي نفسها في التذكير اليومي بما تقدمه من هذه الخدمات في خطابات مسؤوليها وندواتهم الصحفية. لكن مهما وصل استخفاف النظم بالمسألة الوطنية لا ينبغي أن يبرر ذلك الموقف للمعارضات المقامرة بالمصالح الاستراتيجية للبلاد أو يدفع إلى التهوين من التهديدات الخارجية. فليست الوطنية واحترام المصالح العليا للبلاد هي الهدف الحقيقي ولا يمكن أن تكون غاية النظم ومجموعات المصالح الحاكمة، وهي التي قامت على مبدأ خدمة المصالح الخاصة والأنانية. إن الحفاظ على استقلال البلاد وضمان مستقبل شعبها وسيادته هو وحده الذي يعطي للمعارضة الديمقراطية، بقدر ما تطمح إلى أن تكون ممثلة للمجتمع بغالبيته، شرعيتها ومبرر وجودها.

السؤال: هل قبول المعارضة بتجميد نشاطها أو بالتعاون مع النظام هو الطريق المناسب لحماية المصالح الوطنية، وذلك حتى لو رفض النظام أي مبادرة حوار تهدف إلى بلورة برنامج عمل وطني وتثبيت التزامات محددة لمواجهة التهديدات والضغوط الخارجية واستمر في ممارسة سياسة القمع والإقصاء والعزل والتحييد اليومية ضد نشطاء المعارضة وحقوق الإنسان؟ وهل يعزز السكوت على الاختيارات الرسمية مهما كان مضمونها، وحتى لو كان مشكوكا في صحتها وسلامتها، المقاومة الوطنية للضغوط الخارجية، وهل يشكل هذا القبول بالخضوع للنظام وذاك السكوت عن سياساته مهما كانت، التعبير الفعلي والحقيقي عن الشعور بالمسؤولية التاريخية لدى قوى المعارضة أم أنه يشير بالعكس إلى استقالتها السياسية والوطنية بذريعة تجنب صب الماء في طاحونة القوى الخارجية؟

باختصار، كيف يمكن للمعارضة أن تستمر في تأدية واجبها بالدفع نحو الإصلاح ومكافحة سلطات الفساد، التي تضحي بالمصالح الاجتماعية وتساوم على المصالح الوطنية وتعمل بسياساتها اللاعقلانية على تفاقم مخاطر الانفجارات الاجتماعية، من دون أن تخدم بصورة غير مباشرة المشروع الأميركي الهادف إلى السيطرة على المنطقة العربية؟ وبالمثل، بأي وسيلة يمكن للمعارضات الديمقراطية ذاتها أن تدافع عن المصالح العليا للدول العربية ضد الضغوط والتهديدات الأميركية من دون أن تتحول إلى أداة إضافية في دعم النظم الاستبدادية القائمة وإضفاء الشرعية على نظم القمع والإقصاء ومصادرة الحقوق الجماعية وعبث المصالح الشخصية؟ ومن أين ستستمد المعارضات الديمقراطية التي تشكل أمل المجتمعات العربية شرعيتها ومبرر وجودها إذا صب نشاطها، حتى لو كان ذلك بصورة غير مباشرة، في خانة التغطية على الفساد، كما تطالب السلطات الديكتاتورية، أو إذا تحول بالعكس إلى أداة لخدمة القوى الاستعمارية؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه المعارضة العربية الديمقراطية اليوم في أكثر من بقعة ومكان. وهو التحدي نفسه الذي أخفقت المعارضة العراقية في مواجهته والذي قادها إلى السقوط بين يدي الأميركيين كما قاد العراق إلى حمام الدم الذي يعيشه الشعب العراقي اليوم.

ينبغي القول على سبيل السعي إلى الإجابة على هذا السؤال إن تحويل الدول العربية إلى هدف أميركي استراتيجي لم يكن حتمية لا رادع لها, ولا نتيجة جنوح السياسات الأميركية نحو تكوين إمبراطورية عالمية. فهناك أشكال مختلفة من العلاقات تقيمها واشنطن مع الدول الصغيرة ليست جميعا من طبيعة عدوانية كما هو الحال مع بعض البلدان العربية اليوم, بل كما كان عليه الحال مع الدول العربية نفسها منذ سنوات. إن تطلع واشنطن إلى السيطرة على البلدان العربية وتحويل بعضها بوسائل عدوانية وبالحرب إلى قاعدة من قواعد السيطرة الإقليمية هو ثمرة عاملين رئيسيين: الضعف الاستراتيجي الاستثنائي الذي وصلت إليه البلاد العربية. والأخطاء العديدة التي ارتكبتها الدبلوماسية العربية في تقدير موازين القوى الدولية وأهداف السياسة الأميركية الإقليمية نفسها ورهانها المستمر على إمكانية استخدام التطرف الإسلاموي كذريعة لتجديد التحالف مع الولايات المتحدة.

فقد حولت قطيعة السلطة المستديمة مع المجتمع البلاد العربية إلى قواقع فارغة بالمعنى الحقيقي للكلمة، فبدت مجتمعات ميتمة ومشتتة ومشوشة ومفتقرة بالتالي للقوى المنظمة الرسمية أو الأهلية القادرة على الدفاع عن المصالح الوطنية. أما السياسات المغامرة وغير المحسوبة التي قامت على الرهان على تجديد الصفقة التقليدية مع واشنطن، فقد عرت البلاد أمام إرادة الهيمنة الأجنبية وخلقت الذريعة التي يحتاج إليها التدخل حتى يضفي على نفسه وأهدافه الشرعية. هكذا صار بإمكان واشنطن التي كانت الكافل الرئيسي لنظم الاستبداد الإقليمية والناطق الأول والرسمي باسم مشروع الإصلاح ونشر الديمقراطية في المنطقة العربية.

إن هذا الفراغ السياسي الكبير الذي يفرغ المجتمعات والدول العربية من قواها الداخلية وذاك الخلل في خيارات وأساليب عمل الدبلوماسية التي اعتادت التعامل مع بيئة دولية ممالئة لها وضالعة معها في فرض الديكتاتورية هما اللذان يشجعان الأميركيين وغيرهم اليوم على التفكير في إمكانية تطويع النظم القائمة وتشغيلها كليا لصالحهم من دون مقابل.

ليس من الممكن وضع حد لإرادة التدخل الخارجي من دون معالجة المسألتين الرئيسيتين اللتين تقفان وراء إرادة العدوان والهيمنة الأجنبية. المسألة الاولى هي مسألة الفراغ السياسي. والمسألة الثانية هي مسألة نموذج القيادة السياسية التي تدفع بالبلاد نحو أوضاع كارثية بسبب افتقارها للحسابات العقلانية. وهو موضوع مقال قادم.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)