انتهت ازمة الحدود اللبنانية السورية، وتراجعت الحملات الاعلامية المتبادلة، لتتقدم مساعي البحث عن تنظيم العلاقات بين الدولتين: الشكر يجب أن يوجه مرة أخرى إلى المجتمع الدولي الذي كان له الفضل في الدفع في ذلك الاتجاه الغريب على الشعبين وعلى البلدين. أسوأ ما يمكن أن يشاع اليوم هو الافتراض ان تنظيم هذه العلاقات على أساس دولة لدولة هو عقوبة او انتقام او حتى فك ارتباط بين لبنان وسوريا. الاجدى للشعبين ولمستقبلهما معا هو الاعتراف انه كان هناك طوال السنوات الثلاثين الماضية خلل وفراغ وفوضى بين البلدين، جرى سده من قبل الاستخبارات والمافيات والعصابات التي ألحقت الأذى والضرر الفادح على طرفي الحدود وبشكل متساو. لم يكن الوضع طبيعيا أبدا، ولم يكن يليق بالبلدين ولا يخدم علاقاتهما التاريخية العميقة. جاء المجتمع الدولي في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليفرض طي المرحلة الماضية، وفتح صفحة جديدة تحتكم الى القوانين والانظمة المعتمدة بين أي دولتين متجاورتين في أي مكان في العالم. قد يبدو هذا الاتجاه الدولي بالنسبة الى البعض في لبنان وسوريا، مسا بكرامة الشعبين وتوقهما القديم الى الوحدة وإزالة آثار الاستعمار وتحدي معاهدة سايكس بيكو المشؤومة، وتدخلا فظا في الشؤون الداخلية للبلدين. لكن هذا الموقف العاطفي لا يمت بصلة الى تطلعات الغالبية الشعبية اللبنانية والسورية، التي علمتها التجارب، لا سيما منها تجربة العقود الثلاثة الماضية ان تصبح اشد وعيا وواقعية في حسم خياراتها الوطنية النهائية، وفي الإقرار بأن المؤسسات الحاكمة في دمشق وبيروت دمرت العلاقات بين الشعبين أكثر بكثير مما فعل الثنائي سايكس وبيكو في غفلة من الزمن. المهم الآن أن البلدين لن ينطلقا من نقطة الصفر، كما فعل الكثير من الدول المجاورة في أعقاب الحروب او الازمات الكبرى في ما بينها. ثمة ما يمكن البناء عليه وتطويره بما يفيد المصالح المشتركة وهي لا تعد ولا تحصى بين الشعبين. والخطوة الايجابية الأولى التي جرى اعتمادها حتى الآن، نتيجة ضغوط المجتمع الدولي او ردا على تلك الضغوط، هي عزل الآليات والادوات التي كانت تساهم في تخريب العلاقات الثنائية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية، الوزارات واللجان والهيئات المشتركة ودورها في رعاية وحماية المصالح المتبادلة. ولعل هذا التوجه السوري واللبناني الجديد يشكل في المقام الاول علاجا نفسيا للاضطرابات الخطيرة التي سادت في صفوف الشعبين على مدى الاشهر القليلة الماضية، ويعيد ترسيخ فكرة الدولة ودورها في كلا البلدين، بما يساهم في الاصلاح الجدي الذي طال انتظاره في العاصمتين، اللتين جرفتهما اجهزتهما الامنية نحو مغامرات وأخطاء لا توصف. هي خطوة في الاتجاه الصحيح. الشكر للمجتمع الدولي. والامل ان تظل الاستخبارات بعيدة عنها.

مصادر
السفير (لبنان)