منذ اسابيع عدة اصدرت محكمة في امستردام حكماً بالسجن المؤبد على قاتل المخرج الهولندي ثيو فان غوغ، في قضية اثارت توتراً عرقياً في البلاد، وكان المتهم محمد بويري اقر بقتل المخرج عن طريق اطلاقه سبع رصاصات على فان غوخ وطعنه وذبحه بسكين، وقال القاضي اودو فيلليم «ان بويري قتل المخرج بأسلوب بشع من دون رحمة وانه لم يبد اي ندم على فعلته، وقد اثارت الجريمة موجة استياء وازدراء في هولندا وفي دول كثيرة,,, وحتى عندما أعطته المحكمة فرصة لابداء ندمه وادراكه لخطورة ما اقترفه قال بأنه لن يغير «اسلوب تفكيره» وانه سيقتل مجدداً اذا اطلق سراحه».

ما يهمنا من سوق هذا المثال، رغم أن الحادثة جرت في هولندا، فانما للتدليل على أي نوع من «الاسلاميين» نتحدث، اننا نقصد فقط أولئك التكفيريين الذين وصلوا لمرحلة تجاوزوا فيها أن الاسلام مجرد دين وطريق من بين طرق عديدة للوصول الى الله وعبادته، ونسوا أن ليس من وظيفتهم ولا من وظيفة وهدف الاسلام قتل الآخرين المختلفين، لذلك لن نصدق أبدا أن هذا النوع من «الاسلاميين» يمثلون الاسلام.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بالظروف التي عاشها مثل هذا المجرم وعملية التثقيف التي تعرض لها وكيف كانت البداية وكيف انتهى الى مثل هذه القناعات، أي الى مرحلة لا يجد من وسيلة للتعبير عن ذاته ومواقفه الا من خلال قتل الآخر والغائه؟ ونحن لا نتحدث عن حالة فردية، فمثل بويري قاتل ثيو فان غوخ يوجد الآلاف اليوم في محيطنا، وعلى امتداد الرقعة الممتدة من أفغانستان الى المغرب، ولا نبالغ اذا قلنا، في كل بقعة توجد فيها الجاليات الاسلامية من أوروبا واستراليا الى كندا والولايات المتحدة, وهذا لا يعني أنه حيث وجد الاسلام وجد الارهاب، بقدر ما هو محاولة للوقوف عند حالة سياسية وثقافية تعبر عن ذاتها بلغة الدين، وهي حالة نمت في ظل مجتمعات اسلامية وخلال مرحلة تاريخية كان للصراعات الدولية والاقليمية، اضافة الى نوعية الأنظمة السياسية التي حكمت وما زالت الدول العربية والاسلامية، دور كبير في ذلك. بويري لا يختلف عن أبو مصعب الزرقاوي واتباعه الذين يقتلون العراقيين من الأطفال والنساء والشيوخ وغيرهم لمجرد القتل والارهاب، ولا يختلف عمن قاموا بقتل العشرات من المصريين في شرم الشيخ والعشرات من البريطانيين في لندن ومدريد وبالي والرباط ونيويورك في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ، انهم جميعا ينتمون الى ثقافة واحدة، تنتهج القتل للتعبير عن ذاتها ضد الآخر ولايصال رسائل باسم الدين الذين فهموه على طريقتهم, وهذا أخطر ما في الموضوع، نقصد هذا الجزء تحديدا من ثقافة «الاسلام السياسي» المتعلق بالتكفير والذي نما في ظل نشوء بعض الأحزاب والتنظيمات الاسلامية، ضمن بيئة من الاستبداد السياسي حكمت عموم الأنظمة والدول العربية المدعومة والمغطاة من قوى دولية كبرى على رأسها الولايات المتحدة.

وعليه فان جذور ظاهرة الارهاب والتطرف نمت في ظل حالة سياسية لها مواصفات محددة رغم أنها اليوم تبدو للبعض مرتبطة بالدين الاسلامي والمسلمين, صحيح أنه صار للارهابيين لغتهم ومنطقهم وتبريراتهم التي تبدو انها تنطلق من مفاهيم وتعاليم دينية محضة، لكن هذا الدين ذاته يملك القدرة على التعبير عن ذاته كرسالة محبة وسلام فيما لو لم ينشأ هؤلاء ويعيشوا في ظل مناخات مكثفة من التسييس وفي منطقة لم تعرف سوى الاحباط والمرارة والهزائم على امتداد عقود طويلة. لكن مع كل اسف فان ادراك ذلك اليوم لا ينفع في وقف ما يحدث ، كذلك فإن طرائق المعالجة وخصوصا تلك التي اختارت الحرب على الارهاب وضربه لن تزيد الا جمهور المحبطين ولن تغير من مفاهيمهم عن الآخر الغربي وكذلك الآخر المتمثل في النظام السياسي العربي القريب والمنسجم مع الغرب، لا بل على العكس تماما سيجد المتطرفون أسبابا اضافية تدعم وجهة نظرهم وثقافتهم، وخصوصا في ظل الأخطاء والجرائم التي ترتكبها الولايات المتحدة في اطار حربها «على الارهاب»، وفي ظل القمع والملاحقة اللتين تقوم بهما بعض الانظمة العربية لكل ما له علاقة بالحركات الاسلامية دون تفريق بين تكفيريين ومعتدلين, وقبل كل شيء في ظل غياب المناخ السياسي الديموقراطي الذي يسمح للجميع بالتعبير عن أنفسهم وفي ظل تعثر عمليات الاصلاح واستمرار آفات الفساد وانعدام استقلالية القضاء وغياب الحريات، وغياب اعلام حقيقي مستقل, وهي خصائص تبدو أنها صارت عربية.

لقد سقنا هذه المقدمة بعد أن لفت نظرنا قيام الحكومة السورية ومنذ أكثر من شهر بتوقيع اتفاق مع «البرنامج الانمائي للأمم المتحدة» يهدف الى تحويل «رجال الدين والمؤسسات الدينية الى اتجاه تنموي يحد من التعصب»، وقتها قلنا أن ذلك ضروريا نظرا لما يجري من أحداث في العالم لن تبقى سورية بمعزل عنها خصوصا وهي التي تشهد نموا كبيرا «للاسلاميين» ومن مختلف التوجهات، وبعد ذلك تأكدت التوجهات الرسمية من خلال تأكيد الرئيس بشار الأسد خلال استقباله المفتي العام الجديد لسورية الشيخ أحمد حسون أهمية وجود «خطاب ديني منفتح، في التوعية وتصويب الامور وتحقيق العدل والمساواة والتسامح في المجتمع»، معبرا عن أمله في أن «تتحرك الجهات الروحية في سورية في هذا الاتجاه», وبعد ذلك بايام سمعنا عن ندوة أقامتها وزارة الأوقاف السورية للائمة وخطباء الجوامع ركزت على ضرورة ملامسة الخطاب الديني للواقع والبعد عن المغالاة والتطرف.

ان هذه الاتجاهات والدعوات تبدو اليوم طبيعية ومطلوبة لاسيما أنها أتت بعد جملة من الحوادث أبرزها اشتباك السلطات الأمنية خلال الشهرين الماضيين مع مجموعات مسلحة قالت أن بعضها تكفيري مثل تنظيم «جند الشام» التي خاضت مع بعض أفراده مواجهات مسلحة أدت الى مقتل بعض المسلحين وبعض أفراد قوى الأمن، وأيضا بعد الاعلان عن القاء القبض على العشرات من المتطرفين الاسلاميين العرب داخل سورية, كذلك تعكس الدعوات الرسمية ومن مواقع عليا للتركيز على خطاب «متنور ومعتدل وبعيد عن المغالاة» احساسا بالخطر على الأمن الداخلي جراء انتشار مثل هؤلاء التكفيريين في وسط المجتمع السوري المتعدد الطيف الثقافي والديني والمذهبي، واحساسا بالخطر كذلك مما يجري حول سورية وخصوصا في العراق فيما لو انتقلت عمليات الارهاب الى خارج الحدود. لكن هل يوجد مثل هؤلاء التكفيريين في سورية، وهل وجودهم منظم بحيث يستدعي اتخاذ اجراءات احترازية من قبل السلطات السورية؟

كل المعطيات تقول ان هناك جمهورا محبطا لأسباب تتعلق بأوضاع داخلية، وجمهورا آخر متأثرا بما يجري حول سورية وخصوصا في العراق، لكن الى اليوم لم يتضح أن هناك خطرا حقيقيا ومباشرا من هذا الجمهور، رغم بعض الحالات التي راحت تعبر عن ذاتها من خلال تشكيلات تنظيمية سياسية تكفيرية، مثل تنظيم جند الشام، وان كان تنظيما ضيقا وصغيرا، بقيادة أبو عمر الذي قتل في حي «دف الشوك» في العاصمة دمشق منذ ثلاثة أشهر. ما نريد قوله أنه في سورية يوجد اسلاميون من كل الطيف لكن لا توجد أحزاب وتنظيمات اسلامية تشكل خطرا مباشرا, وبالرغم من ذلك، أي غياب الخطر المباشر، فهذا لا يعني أبدا أنه غير قائم، لأن هذا الجمهور تتسع مساحته وحجمه يوما بعد يوم!!

مصادر
الرأي العام (الكويت)