ليست المشكلة في كون "الظواهري" يمارس الإرهاب فقط، أو انه الشخصية الخلافية التي تشكل مثار اهتمام إعلامي، بل لابد من النظر إليه كظاهرة تحاول تشكيل الثقافة في المنطقة، عبر الاعتكاف في الجبال واتخاذ مبدأ "التكفير والهجرة".

"الظواهري" أرسل شريطه المصور وسط أزمات المنطقة السياسية، بدء من محاولات إعادة التكوين الإقليمي، وانتهاء بالضغوط الأمريكية وأزمة الحدود السورية – اللبنانية. والزرقاوي سرب وعيده من خلال أزمة الثقافة التي تعيشها مجتمعاتنا .. واستراح من هم التعامل المعقد مع الصيغ الاجتماعية المتنوعة ما بين العراق وشاطئ المتوسط. هذا الاختصار في الزمان والمكان هو ما تسعى إليه تشكيلات الظل سواء تواجدت في أفغانستان أو باكستان أو حتى في أحياء "جنوب لندن".

وعمليات التبسيط تسهل في انتقاء الحلول، وفي تغليب التراث أو مخاطبة الذاكرة الاجتماعية الحاضرة اليوم نتيجة عمليات الإحباط. كما أن التبسيط يدعم النظر إلى أي تشكيل ديني يحاول الظهور بصرعة الديمقراطية، فنجد أننا أمام إفلاس المعاصرة في مواجهة التراث.

"التبسيط" المستخدم منذ أن تعرفنا على "قادة التراث" في شرائط الفيديو يقودنا من "غزوة" إلى أخرى، وينشر من جديد ثقافة المشافهة المعتمدة على مذهب الحكواتي في إثارة المخيلة، فيستثير في المجتمع رغبة خلق "طواحين" البطولة من عنترة إلى زير سالم وصولا إلى اجتزاء شخصية الظاهر بيبرس وصلاح الدين، واقتناص الروايات حول الخلفاء، أو إخفاء حركة التاريخ أمام "سماحة" الرواي الذي يرتدي عمامة سوداء على شاكلة "الظواهري".

المشكلة كما نواجهها ليس تغيب الدين أو تغيب العقل ... بل شطب المجتمع من قائمة الثقافة واستبداله ببيانات وصور، وإرهاصات مشاريع تظهر أحيانا في شريط فيديو، وأحيانا أخرى في بيانات لاجتماعات ختامية سواء عقدت هذه الاجتماعات في لندن بحجة الدفاع عن سورية، أو حتى في دمشق تحت إطار الواجب الديني.

المستقبل بمجتمع مغيب هو رعب الحاضر .. أو ربما النظر إلى مستقبل لا نريد مواجهته ما دام أصحاب العمائم قادرون على تلقيننا الماضي والحاضر والمستقبل