منذ قرار فك الارتباط يتردد أكثر فأكثر رأي، أو خشية في نظر كثيرين، مفاده ان هذا القرار ما هو الا خطوة على غرار ما فعله بيغن في سيناء: شارون يتنازل في غزة كي يعمق السيطرة في الضفة الغربية. فشارون نفسه يقول مثل هذه الأقوال، ربما بهدف تهدئة المستوطنين، وربما لأنه يؤمن بها فعلا. بيد ان الخلل الكامن في هذا المنطق كشفه زئيف حيفر، احد قادة مجلس مستوطنات الضفة والقطاع "يشع": المشكلة بدأت، قال حيفر لآري شبيط، عندما "توقف شارون عن التكلم عن حقنا على البلاد.. واستبدل هذا الحق تدريجيا بالاعتبارات الامنية، وفي النهاية بقينا مع قوله "لن نمس أبداً بأمن اسرائيل".

يبدو لي ان حيفر يشرح بشكل صحيح سبب حسم مصير المستوطنات مع فك الارتباط، فعندما تختفي ارض اسرائيل الكاملة كايديولوجيا، لا يبقى الا الاعتبارات البرغماتية. ومن اللحظة التي تبقى فيها الاعتبارات البرغماتية لن يكون نهضة للاحتلال. السبب بسيط: الاحتلال ليس برغماتيا.

بالفعل، كل ما تبقى من ادعاءات اليمين، باستثناء اليمين المسيحاني ـ الديني، هو البرغماتية، فالبرغماتية اليمينية تشير الى حقيقة ان الانسحاب سيفسر على انه انتصار للارهاب، وأن ترك المنطقة سيضعها تحت سيطرة حماس، وأن الانسحاب من غوش قطيف أو من شمال الضفة لن يؤدي الا الى تشجيع حلم "تحرير" يافا وحيفا. ثمة صحة في هذه الادعاءات، لكن هذه الادعاءات لن تصمد لفترة طويلة مقابل حقيقة كون مواصلة التمسك بالاحتلال اكثر كلفة: فنحن نتحول رويدا رويدا الى منبوذين من قبل الرأي العام الدولي. ونحن نشغل الجيش الاسرائيلي في مهام المرافقة، الحراسة، الاحباط، تفريق المظاهرات وفرض النظام، وهذه كلها مهام لم يؤهل الجيش لمواجهتها لفترة طويلة. فمن دون جدار وحدود نكون اكثر عرضة للعمليات الانتحارية: وما لا يقل اهمية عن ذلك هو ان الاقتصاد الاسرائيلي يتراجع مع كل تباطؤ في تفكيك المستوطنات، وينتعش مع كل امل جديد بالانفصال، في مقابل كل هذه الامور فان الايديولوجيا القوية وحدها تستطيع الصمود. لكن غالبية اليمين فقدت الايديولوجيا وبقيت مع معيار الجدوى. وفي هذا الميدان نراه تنازل عن غزة، وللأسباب ذاتها سيتنازل في الضفة الغربية ايضا. في وسع شارون البدء بتفكيك الاحتلال، لكن ثمة شكاً في قدرته على وقف عملية التفكيك. واذا كانت المسألة تتعلق بـ"أمن اسرائيل"، بحسب كلام حيفر، أو بالجدوى التي تعود على اسرائيل بشكل عام، فان برغماتية فك الارتباط لن تتوقف في غزة، ذلك ان استمرار الاحتلال في الضفة الغربية أيضاً ليس آمنا وغير مجد.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)