خلق الألفة بين المسيحيين والمسلمين كان عبر مئات السنوات هدفاً صعباً، ولكن يبدو أن الكنيسة السورية ستفتح هذا الطريق

الطريق الى الدير شاق وطويل خاصة في الصيف عندما تلقي الشمس بأشعتها على السهول وتمنحها لونها المحمر. هناك تبدو الابنية الرئيسية ملتصقة بقمة الجبل ذو الارتفاع الشاهق. في البداية تطالعك أبنية صغيرة ولكنها تكبر تدريجياً مع ارتقاء الدرجات.

وامام الباب الحجري المنخفض للمبنى يقف بغل يحمل مؤناً للدير، ويقودك ذلك الباب الى متاهة من الممرات والغرف التي بنيت منذ ألاف السنين تقريباً.

في أوائل الثمانينات، عندما قدم الأب باولو دال أوغليو- طالب اللاهوت الايطالي- أول مرة الى هنا كان هذا الدير مهجوراً منذ حوالي 150 عام. في ذلك الوقت لم يكن هذا الدير أكثر من هيكل، وبعد قضاء عشرة ليال قاسية فيه قرر الشاب باولو البقاء فيه وتكريس حياته العملية لإجراء الاصلاحات في الدير، الذي كان مكشوفاً وأسقفه كلها متداعية.

ولكن ما ان أخذ العمل مجراه - وتم الاستعانة بمتطوعين من أوربا، لبنان، وسوريا– حتى اكتشفوا أن معظم لوحات القرون الوسطى ماتزال محفوظة فيه لكنها كانت مغطاة بطبقة من الجص المصبوب عليها في القرن الخامس عشر لحمايتها.

واليوم عادت ثانية الاجنحة وصحن الكنيسة والقبة لتتألق جميعها بالصور التي تمثل قصص الانجيل، مثل سان جورج بعباءته الحمراء الداكنة ورداؤه الاخضر اللامع وهو يطارد الأشرار عبر ما يشبه البحيرة المليئة بالأسماك.

كما أن عدد القائمين عليه – وهم راهبتان،ستة رهبان، وعدد من العاملين يتراوح بين 10 الى 15 - تضاعف حتى فاض عن الحاجة.

تذوقت حبات الزيتون التي يزرعونها بأنفسهم والمشمش الذي تقارب حباته حبات التفاح في الحجم. كما انهم يزرعون الطماطم اللذيذة والخيار على سفوح الجبال التي تجتمع فيها مياه الأمطار. وهناك صف من خلايا النحل وقطيع من الماعز لانتاج الحليب واللحم. ويوجد ناسك خاص بهذا الدير وذلك تبعاً لتقليد قديم يعود الى زمن الأيام الأولى للمسيحية في سوريا.

منذ حوالي 1500 عام استعمر النسّاك هذا الجبل ولكن في هذه الأيام لا يوجد سوى ناسك واحد فقط، وهو يعيش في أعلى الجبل ولا يظهر الا أيام الأحاد وذلك كي يجمع المؤن ويغتسل.

على طعام الفطور جلست الى جانبه. قدم نفسه لي باسم الناسك تيم وهو من بيكسلي هيث في جنوب لندن. وقال " انها حياة منعزلة، ولكنها تمنحني الوقت للكتابة والتفكير بالروحانية في العمل". تيم في اجازة لمدة سنة من عمله اليومي كمهندس في شركة فورد موتورز. وكان قد قام بكتابة اطروحة قارن فيها بنية الادارة العالمية مع الكيفية التي تنظم البندكتيين، وبالتالي معرفة ما يمكن توقعه من حياة صومعية. واعترف قائلاً " في الواقع هذا ليس كهفي، فقد أخذته من ناسك سوري يدعى جهاد وهو يدرس حالياً في روما".

حضرت قداسات كاثوليكية كانت تقام باللغة العربية مع بعض اللاتينية والنصوص الأرمنية السورية التي تعتبر لغة الفلسطينيين في القرن الأول. الراهبات والرهبان يؤلفون الألحان بأنفسهم وزيعزفون على الغيتار، الفلوت والكمان. بينما يضرب رئيس الدير على الطبل السوري. يا له من جو من الشرقية والروحانية.

أثناء جلوسي على الأرض واصغائي للصلوات المتلية شعرت للحظات وكأني أجلس في الجامع.

أخبرني الأب باولو أنه " ليس من الغريب أن يقوم المسلمون بزيارة هذا المكان، فهذا المكان يحظى بأهمية روحية لدى السكان المحليين وذلك منذ بدايات المسيحية، اي قبل مجيء الاسلام في القرن السابع.

الأب باولو يتمنى أن يتجاوز دير مار موسى في شهرته الجبال المحيطة به ويتعرف عليه أكبر عدد ممكن من العالم وذلك في محاولة لتعميق التفاهم بين الأديان المختلفة والشعوب في الشرق الأوسط. وهو يقبل بانتظام الدعوات التي توجه اليه لالقاء محاضرة في معاهد اسلامية مثل كلية الشريعة في جامعة دمشق. كما طلب منه الشيعة مشاركتهم في أحد أعيادهم والقاء كلمة في جامعهم في صلوات يوم الجمعة.

على مر السنين، تقاطرت الوفود من جميع أنحاء العالم الى الدير وذلك للاستماع الى قادة الكنيسة، والى مناقشات الأئمة والسياسيين حول مواقف الدين من المجتمع والحرب والسلام.

أما بالنسبة للعلاقات بين الشرق والغرب، فيعتقد الأب باولو أن هناك حاجة للقيام بالكثير من الأشياء حيث قال لي " يبدو ان الدول الغربية لا تفهم عمق المشاعر الموجودة في الشرق الأوسط حول قضايا الاستعمار، استغلال النفط، والعولمة".

وما إن انتهيت من تناول الفطور حتى أدركت بأن هذا اليوم كان يوماً حزيناً بالنسبة للدير. فقد كان ياسر وهو أحد الأعضاء البارزين في الدير مغادراً في ذلك اليوم. الجميع وقفوا على المصطبة ملوحين بأيديهم توديعاً له- لقد كانت نداءات الوداع المليئة بالعاطفة تتردد في جميع المنحدرات والأخاديد وصولاً الى الطريق المقفر.

قال لي الناسك تيم " سوف نفتقده، فقد كان صانع الجبن لدينا. وكان يصنع أفضل جبن يصنّع في دير في سوريا".

مصادر
بي بي سي(لندن)