تبخّرت أخبار القمة العربية الطارئة. تبيّن أنها نوع خاص من النيازك: تبين وتختفي ولا تترك أثراً ولا نعلم مصدرها ومآلها. مرصد الرأي العام العربي لاحظ عبور القمة الطارئة أجواء المنطقة خلال أيام ثم تبيّن لاحقاً أننا أمام عبور طارئ، لا قمة طارئة. برزت الدعوة فجأة. والمفاجأة، هنا، ضرورية وإلا انتفت صفة <<طارئة>>. وجّه الدعوة الرئيس المصري حسني مبارك. تحدد المكان والزمان. شرعت الموافقات تهطل. ألغى مسؤولون مواعيدهم. كاد بعض وزراء الخارجية يتوجه إلى المطارات. احتجت الجزائر. كان مصدر الشكوى الأول من هامش السلطة. هناك مَن حاول نفي الاحتجاج أو التقليل من أهميته. تدخلت الجامعة العربية لتحسم أن لا أزمة في العلاقات المصرية الجزائرية. ومع تراجع الآمال بانعقاد القمة بات واضحاً أن آثار هذه الأزمة قد تكون نتيجتها الوحيدة! عندما صدر نداء القمة الطارئة ردت عليه أصوات المشككين. قالوا إنها محكومة بشرط مصري حصراً وتأتي في سياق هدية مبارك إلى الشعب المصري بإعلان ترشحه للرئاسة، وبعد التفجيرات الإرهابية في شرم الشيخ. يعني ذلك أن هدفها إضفاء مشروعية عربية على الترشح والمشاركة في دعمه، وإعلان أن <<مدينة السلام>> ستبقى آمنة وعاصمة للمؤتمرات. أي أن القمة، كما زعم سيئو النية، جزء من حملة علاقات عامة، وهي مجرد بديل عن برقيات تأييد إلى الرئيس المرشح وعن دعوة أكبر عدد ممكن من الفنانين لإحياء ليالي شرم الشيخ وإنقاذ موسمها السياحي.

رداً على التشكيك قال الذين يتظاهرون بالجدية إن العناوين المطروحة على الأمة العربية تستوجب قمة طارئة: الاقتراب من تطبيق خطة الانفصال في غزة؛ الوضع العراقي ونقاشات الدستور الدائم؛ الإرهاب المتجدد والمتصاعد. وهناك مَن أوحى بأنه لا بد من بحث العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا، هذه العلاقات التي كانت <<مميزة>>، في تلك الأيام، بالتأزم الشديد وإقفال الحدود.

القضايا المشار إليها مهمة فعلاً. ولأنها على هذا القدر من الأهمية فإنها تستوجب تحضيراً ملائماً يمهّد لقرارات كبرى لا يمكنها انتظار القمة العادية بعد أشهر. إلا أن ما فات الرادين على المتشككين هو أنهم يعرّضون أنفسهم لشكوك أخرى أكثر حدة.

ففي ما يخص غزة، مثلاً، بات واضحاً أن الدور المصري كبير. لا بل يمكن القول إن الانسحاب الإسرائيلي الأحادي ما كان ليُطرح أصلاً لولا السلام بين القاهرة وتل أبيب. أكثر من ذلك يبدو الانسحاب موصولاً بكامب ديفيد والمعاهدة المصرية الإسرائيلية أكثر مما هو متصل ب<<اتفاق أوسلو>>. إلى ذلك، فإن قوات مصرية محدودة ستتوجه إلى الحدود (بعد تعديل جزئي للاتفاقيات)، وعناصر أمنية ستتوجه إلى داخل القطاع، والمسؤولية السياسية لمصر ستزداد. إلا أن ما لا نعرفه هو مدى التنسيق المصري مع دول عربية أخرى حول الموضوع (نعرف بعض الشيء عن التنسيق مع الفلسطينيين ومع الإسرائيليين) وهو تنسيق لا يغيّر شيئاً، لو حصل، في الموقع المصري المميز. كانت القمة ستكون مطالَبة بدعم الدور المصري، ومن حق القاهرة طبعاً أن تسعى إلى ذلك ولو أنها ضنينة بأن تُشرك الآخرين في القرار. لكن <<المنطق>> يقضي بأن تتعاطى <<مؤسسة>> القمة (!) مع ما يتجاوز الواقع الذي أملاه قرار أرييل شارون. يفترض إصدار موقف ورسم سياسة حول كل ما له علاقة باليوم التالي: مصير التسوية؛ صيغ دعم الشعب الفلسطيني؛ تحديد وسائل الضغط أو الإقناع لربط القطاع بالضفة عبر استئناف المفاوضات وفق مرجعيات واضحة؛ التلويح بموقف عملي حيال الولايات المتحدة جراء وعود جورج بوش إلى إسرائيل التي أطاحت ثوابت مزمنة في السياسة الأميركية نهض فوقها تحالف بعض العرب مع واشنطن؛ التركيز على الاهتمام بالسلام الشامل في المنطقة... إلخ.

لم يكن وارداً أن تتعاطى القمة مع هذا الملف بالرصانة المطلوبة. وكذلك الأمر في ما يخص العراق. ففي ما يتعلق بهذا البلد العربي الشقي لم نرَ حتى الآن غيمة حتى يكون مسموحاً لنا أن نتوقع شتاء. أما عن الإرهاب فالمعضلة أصعب. لقد بات الوضع الرسمي العربي ميالاً إلى التشدد في خطابه حيال الظاهرة ولو قاده ذلك إلى مغادرة <<جزئية>> للأدبيات السابقة حول التمييز بين المقاومة والإرهاب. إلا أن الجديد هو الاتجاه إلى محاكاة الخطاب الغربي، نسختي جورج بوش وطوني بلير، في التفسير. ففي بريطانيا والولايات المتحدة تدعي النظرية السائدة أن الإرهابيين يكرهون <<نمط حياة>> ويحاولون، بالتالي، تدميره. ولقد كان لافتاً ما قاله المسؤولون البريطانيون والمصريون غداة تفجيرات لندن وشرم الشيخ. كان لافتاً في تطابقه لجهة نفي أي أسباب للتطرف ونسبته، حصراً، إلى <<أيديولوجيا الكراهية>>. ولكن المفارقة، هنا، هي أن الأميركيين والبريطانيين يحمّلون السلطات العربية بعضاً من المسؤولية عن وجود الإرهاب، وذلك بسبب الفشل والتعثر والقمع، في حين تعمد هذه السلطات إلى تبرئة نفسها تماماً وإلقاء العبء على دعاة <<ينفثون السموم>>. لو انعقدت القمة الطارئة لما كانت قدمت أجوبة شافية حول بنود جدول أعمالها. وإذا كان العذر الرسمي لتأجيلها وفاة الملك فهد بن عبد العزيز فهو غير مقنع لأن مراسم الجنازة شهدت حضور أكبر عدد ممكن من القادة العرب، ومع ذلك لم يجد واحد منهم كلمة يقولها للآخر.

المهم في الأمر أننا أمام وضع عربي كفيل بأن يتجه نحو عقد قمة طارئة، وكفيل بألا يحضّر لها، وكفيل بإلغائها، وكفيل بعدم تقديم أي شرح واف لهذا العبث بأبرز وأهم مؤسسات العمل العربي المشترك. لا صفة لهذا السلوك سوى أنه <<ابتذال سلطوي>> يوغل في اللامبالاة حيال المشاكل والمصاعب، ويغالي في استهتاره بالشعوب وقضاياها. إن هذا <<الابتذال السلطوي>> كفيل وحده بتوليد الاحتقان والغضب. لا عجب إذاً أن ينشأ إرهاب على هذه الأرضية طالما أن سبل التغيير والتعبير ديموقراطياً غير متاحة جدياً. الإرهاب فعل متطرف طبعاً. لكن الابتذال المشار إليه هو التطرف الأصلي.

مصادر
السفير (لبنان)