رفضت إيران في نهاية الأسبوع صفقة الرزمة التي اعدتها لها الترويكا الاوروبية في محاولة لإقناعها بالتراجع عن مسار تخصيب اليورانيوم. لا ينبغي لهذا الرفض ان يفاجئ أحداً. فبحسب اقتراح بريطانيا وفرنسا وألمانيا فانه مقابل التعهد بتجميد برنامج التخصيب والتقيد بالالتزامات التي تفرضها معاهدة منع الانتشار النووي، كان من المفترض ان تحصل ايران على سلة محفزات، بعضها اقتصادي وبعضها سياسي، من بينها التعهد لها بالمساعدة في موضوع الطاقة النووية لأغراض سلمية، والانضمام الى منظمة التجارة العالمية، والتعهد بعدم التدخل في شؤونها الداخلية. لكن بعد ساعات معدودة على طرح الاقتراح الأوروبي على الطاولة، رفضته طهران على انه "غير مقبول أبداً".

الرفض الإيراني هو جزء من السجل التاريخي للعبة، قواعد السلوك فيه معروفة مسبقاً. واسم اللعبة هو السير على الحافة، دون تحطيم كامل للأدوات بمعنى آخر، هذا بازار ايراني كلا الطرفان فيه لديهما رغبة في مساومة شبه متعنتة حول الصفقة، ضمن ابداء الاستعداد لترك البازار في أية لحظة ـ لكن ليس فعلاً. والصحيح إلى الآن هو أنه لا إيران ولا الترويكا الأوروبية مستعدتان حقيقة لترك البازار.

لذا، وحسب الاشارات، فان لعبة القط والفأر ستتواصل، بما في ذلك تهديدات من كل طرف للطرف الآخر حول الثمن الذي سيدفعه لقاء أي كسر للأدوات. الولايات المتحدة، التي لعبت في الماضي دور الشرطي الأشد صلابة في الصراع مع الايرانيين، ستستمر ـ صحيح حتى الساعة ـ في دعم المبادرة الأوروبية من الخارج.

ايران، التي اعلنت في السنة الماضية تعليق تخصيب اليورانيوم كـ"لفتة" للأوروبيين، من المتوقع ان تعلن حاليا عن استئناف الانشطة، وربما تبدأ بفعل ذلك في مواقع مختلفة (بشكل خاص في منشأة اصفهان)، من اجل ان تظهر التصميم. الأوروبيون من جهتهم سيعودون للتهديد بأن الخطوة ستؤدي بالحوار الى نهايته. اي: ستضطرهم الى دحرجة المسألة الى باب مجلس الامن، وربما فرض عقوبات اقتصادية على ايران.

السبب في ان اللعبة ستتواصل هو ان الخيار الثاني ـ اعتراف علني بفشل الخيار الدبلوماسي ـ هو (صحيح الى الآن) ببساطة غير مقبول لدى الطرفين، فكلاهما غير معني بالذهاب الى الخيار الآخر، ويعرف جيدا ان ضررا اكثر من الفائدة يكمن في تحطيم الادوات. على سبيل المثال، فان عقوبات اقتصادية (اذا ما استجابت الصين اصلا للمطلب الأوروبي بفرضها) ستؤدي على الارجح الى ترك ايران للمعاهدة، وستشعر بأنها حرة في مواصلة برنامجها النووي دون اي قيد دبلوماسي.

كم من الوقت يمكن لهذا البازار الايراني ان يستمر؟ ما هي بالفعل الخطوط الحمر لكلا الطرفين، والى اي حد هما مستعدان للتشبث بمواقفهما المبدئية الحالية؟

من الصعب معرفة ذلك. فمن جانب، من شبه المؤكد ان ايران، التي تتحدث منذ سنوات عن حقها "غير قابل للنقض" في كل اقسام "دورة الوقود النووي"، لا يمكنها التخلي كليا عن برنامج التخصيب مثلما يطالب الأوروبيون. حيث ان اي تنازل ايراني كامل في هذه المسألة معناه تنازل ايران عن الخيار النووي. من جانب آخر، الأوروبيون مصممون على عدم السماح لها بالوصول الى قدرة تخصيب جوهرية، والتي تعني امكانية مواد انشطارية. هل انهم (الاوروبيون) قادرون على التعايش مع قدرة تخصيب مبدئية، رمزية في اساسها؟ الجواب على ذلك مرهون بالتقديرات الاستخبارية المتصلة بوضع البرنامج الإيراني.

إلى اي حد ايران مصممة على الوصول الى القنبلة، والى اي حد هي قريبة منها؟ حتى الفترة الأخيرة، افترضت اجهزة الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية ان لإيران عملياً برنامجاً نووياً عسكرياً، غايته إعداد قنبلة وليس فقط انتاج مواد انشطارية (اي "خيار نووي)". رئيس امان اللواء فركش تحدث في مناسبات مختلفة في العام الماضي عن انه اذا لم يوقف الأوروبيون ايران فإنها ستصل الى نقطة اللاعودة في غضون 18 شهراً (وهذه النقطة تعني في نظر الاستخبارات الاسرائيلية قدرة مستقلة على تخصيب اليورانيوم بكميات تجارية). ومع اضافة فرضية ان لإيران برنامجاً عسكرياً سرياً غايته بناء قنبلة بنفسها، كان تقدير أمان ان ايران ستتمكن من التوصل الى امتلاك سلاح نووي اولي في غضون 3 سنوات.

هل كانت هذه التقديرات ـ وبشكل خاص مزاعم وجود برنامج عسكري ايراني ـ تستند الى معلومات استخبارية حقيقية ام انها مجرد فرضيات لا تدعمها مواد حقيقة دامغة؟ لقد اضحت هذه الأسئلة اكثر مركزية في الولايات المتحدة على ضوء المهزلة العراقية في مسألة اسلحة الدمار الشامل العراقية ـ التي آمنت كل اجهزة الاستخبارات الاميركية بوجودها، لكن تبين انها لا تمت الى الواقع بصلة. ونتيجة لذلك اضحت الاجهزة حذرة جدا في ما تقوله. وعلى هذه الخلفية افادت الاسبوع الماضي صحيفة "الواشطن بوست" عن تقدير استخباري جديد في الموضوع يمتاز بلغته الحذرة. وحسب ما تم تسريبه الى كاتبة المقال ـ ومن المهم القول انها لم تعاين الوثيقة المصنفة بأم عينيها ـ فإنه ليس لدى الاستخبارات الاميركية اليوم اثباتات على وجود برنامج نووي عسكري لإيران. بعبارة اخرى، الاستخبارات الاميركية غير مقتنعة تماما بأن ايران مشغولة الآن ببناء القنبلة (بخلاف "الخيار"). ونتيجة لذلك فان الجدول الزمني للولادة المحتملة لقنبلة ايرانية رد الى الخلف لعدة سنوات. اذا كان الخبر صحيحاً (وأنا اجد صعوبة في قبول التسريب بسذاجة وبراءة) فهذا يعني ان الأمر يتعلق بتغيير مفاجئ في التقدير. في مقابل التسريب في الواشطن بوست (وربما بشكل منسق)، أفادت الجيروزاليم بوست ان الجدول الزمني الايراني تغير أيضاً في أمان، وبشكل جوهري، وورد: حاليا، ايضا (في أمان) لم يعودوا مقتنعين بأنه يوجد اليوم لإيران برنامجان متوازيان: مدني وعسكري. ولا زالت اسرائيل تعتقد انه اذا ما فشلت اوروبا في محاولتها منع ايران من تخصيب اليورانيوم، فسوف يكون بإمكانها انتاج مواد انشطارية في سنة 2008 اي ستصل الى الخيار النووي، كائنا ما كان، يبدو انه اضيف وقت نفيس الى الساعة التي تتكتك من وراء لعبة القط والفأر بين الاوروبيين والايرانيين. واذا كانت القنبلة بعيدة فعلاً اكثر مما كنا نعتقد حتى الآن، فهذا يعني ان البازار الإيراني يمكنه الاستمرار بعد لوقت طويل.

مصادر
يديعوت أحرنوت (الدولة العبرية)