مجرّد التزامن بالمصادفة بين خبر تعيين الوزير السابق فؤاد بطرس رئيساً للهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات، وبين زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى طهران، جعل بعض المراقبين يعودون بالذاكرة الحية الى مطلع العام 2001، يوم كان الوضع اللبناني متأزماً لجهة العلاقة بين دمشق والمسيحيين، والأسد الابن يقطع نصف سنته الأولى في الرئاسة خلفاً لأبيه، يومها تلقى الوزير بطرس دعوة لزيارة سورية ولقاء رئيسها الشاب، في خطوة عُلّقت عليها في حينه آمال ملحوظة. وقيل ان اجتماع الأسد بالوزير اللبناني العتيق بدأ بمطالعة من الأخير حول مكامن الخلل في العلاقة اللبنانية ـــ السورية ومواضع الشكوى في هذا المجال وأصحابها. وقيل ان الرئيس السوري بعد استماع طويل لضيفه، بدأ الجواب باستذكار المحبة والاحترام والمودة والتقدير وغيرها من الصفات الحميدة التي كان والده الراحل يكنّها للوزير بطرس، ما أشّر في البنية الشكلية للحديث الى شق سلبي في الأساس، يتم التمهيد له بايجابيات من الماضي والظاهر وبالفعل، تقول المعلومات ان الرئيس الأسد لم يلبث بعد الثناء المستذكر أن سأل ضيفه عن النسب الحالية والدقيقة لكل من المسلمين والمسيحيين في لبنان. وقبل أن ينتظر الجواب على سؤاله، تابع بالقول ان لديه معطيات احصائية موثوقة تشير الى ان المسلمين باتوا يشكلون 74 في المئة من اللبنانيين المقيمين في بلادهم، في مقابل نحو 26 في المئة من المسيحيين. وقيل أن الأسد تابع مستنتجاً: "المسلمون كلهم معنا، ومعنا على الأقل نصف المسيحيين، فهل يعقل أن نغيّر مواقفنا وسياساتنا تلبية لشكوى أقلية لا تبلغ 13 في المئة"؟!

يومها لم ينتبه الرئيس الأسد الى أن الواقع اللبناني مقنّع ومشوّه وعرضة للتضليل والاستدراج الى الخطأ، ولكن الأهم أنه لم ينتبه الى ان الواقع السوري مكون بدوره من جماعات، والى ان الجماعة التي ينتمي إليها هو نفسه لا تشكل أكثر من 13 في المئة من الشعب السوري، وثمة أكثر من شكوى مقنّعة أيضاً.

لماذا هذا الكلام الآن؟ لأن الفرحة كبيرة، وكبيرة جداً أن يشهد الرئيس السوري أثناء زيارته المفصلية الى الجمهورية الاسلامية في ايران هذه الأيام انعكاساً كاملاً للمماثلة التي طرحها قبل نحو أربعة أعوام حيال الواقع اللبناني. ويشير المطلعون الى ان جدول أعمال الزيارة قد يكون حافلاً ومحطاتها كثيرة وحلقاتها متشعبة ومتنوعة، إلا ان خلفيتها ودافعها والتطلع واحد. فالأسد يزور طهران اليوم وسط قراءة سورية لوضع المنطقة ترسمه الثوابت الآتية:

أولاً ـ ثمة انسحاب أميركي مقبل من العراق، وضمن حدود زمنية قصيرة الأجل نسبياً، بما يجعل هذه الخطوة تنفذ وتترجم قبل تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي الكامل في هذا البلد. وبالتالي فإن واشنطن تتجه حتماً قبل استحقاق الانسحاب العراقي الى ترتيب ما في العلاقات بينها وبين طهران، يسمح بحماية إعادة الانتشار الأميركية، عسكرياً وسياسياً. حتى ان البعض يعتقد أن ثمة "اتفاق طائف" جديدا بدأ إعداده للعراق، وقد وضع على نار حامية. والفكرة التي كان أول طارحيها الامام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، باتت واقعاً لدى الإدارة الأميركية المعنية بالملف العراقي. وفي مقاربة سريعة مع "طائف لبنان" يشير المطلعون الى أن ثمة دستوراً عراقياً جديداً يكتب، وثمة صيغة توافقية بين جماعات تلك البلاد، وإنما ثمة تلزيم أميركي أيضاً لرعاية تنفيذ هذا الاتفاق، ستحظى به الجهة الاقليمية الأقرب الى القوة العراقية الأقدر على تسلم السلطة بعد الانسحاب الأميركي. وبالتالي فالدور الذي أعطي للنظام السوري في بيروت عام 1990، يُرشح له النظام الايراني في بغداد عام 2006 على ما يبدو.

ولا يستبعد المطلعون أيضاً أن يكون مسلسل الضغوط الأميركية والغربية على طهران، كما في موضوع الطاقة النووية، من باب صقل الحجم والدور المطلوبين من عراب الطائف العراقي المقبل. تماماً كما كان تقرير اللجنة الثلاثية العربية الأول حول الوضع في لبنان عام 1989، منتقداً لسورية ومديناً لها ما جعل اتفاق التلزيم لاحقاً ممكن الحصول، من دون أوهام ولا شروط تعجيزية. وبالتالي فإن سورية ترى في المدى المنظور تحسناً في العلاقات الأميركية ـــ الايرانية، تسارع الى محاولة الافادة منه، على طريقة: "اذكرونا بالخير"! ثانياً: ثمة اقتناع على ما يبدو لدى أهل النظام السوري بأن واشنطن جدية وصادقة في قرارها الركون الى "الآليات الديمقراطية" في المنطقة. وثمة إدراك في دمشق بأن النهج الأميركي السابق قد سقط فعلاً والى غير رجعة وان التصريحات الأميركية عن "رفض 60 سنة من الخيارات الأميركية الخاطئة في الشرق الأوسط" هو كلام صادق وجدي ونهائي, وهو برسم الترجمة الفعلية. فكما قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في 24 أيار الماضي: "ان محاولتنا الحفاظ على الاستقرار على حساب الحرية, وضمان الأمن على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة, أدت الى الإطاحة بكل هذه معاً". وبالتالي فسورية باتت مدركة ان ترك واشنطن الحراك السياسي في كل دولة يتجه نحو توازن طبيعي ديمقراطي وفق منطق الأكثرية والأقلية, انما هو خطة عمل للمدى المنظور. وفي هذا السياق وجدت دمشق من دون شك تصريح نائب الرئيس السوري السابق رفعت الأسد الى وكالة "اسوشيتدبرس" في 29 أيار الماضي حول إعلانه رغبته في "العودة الى سورية لإزالة النظام الحاكم والمساعدة في تحقيق الديمقراطية والازدهار الاقتصادي" كما وجدت الإشارة الأبلغ في حديث الأسد عن رغبته "في لقاء مسؤولين في إدارة بوش", وعن تأييده السلام مع إسرائيل واعتباره ان لهذه القضية اولوية حتى على الإصلاح الاقتصادي... ومع ذلك لم يتم أي اتصال بين واشنطن و"العم" العارض خدماته. لكن في المقابل بادر مسؤولون في الإدارة الأميركية في 18 حزيران الماضي الى استقبال مجموعة من المعارضين السوريين المقيمين في أميركا, وبينهم ناشطون من "الأخوان المسلمين", ممن أعلنوا تأسيس "المجلس الوطني السوري" في واشنطن.

ويرجح المطلعون ان يكون أهل النظام في دمشق قد فهموا تماماً الإشارات الأميركية في هذا المجال: دعم التغييرات الديمقراطية, بوصول الأكثرية الى الحكم. وفي هذا السياق يلاحظ المطلعون أنفسهم, ان هذا ما يفسر الحساسية المفرطة التي أبداها المسؤولون السوريون حيال خبر اجتماع "الأخوان المسلمين" في طرابلس، وجدية ردود فعلهم إزاء هذه الخطوة, خصوصاً بعدما تحولت هذه التحركات جزءاً من خطة يراها السوريون متكاملة, ومندرجة في سياق التصور الأميركي المستقبلي للمنطقة, وهو ما عبّرت عنه, في رأيهم على الأرجح, رايس نفسها بقولها في الثاني من آب الجاري ان "السلوك السوري يضر بالفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين" وان المسؤولين السوريين يكادون يصبحون "خارج مسيرة ما يحدث في النظام الدولي". كيف يمكن الافادة من هذين المعطيين أثناء زيارة الأسد الى طهران؟ يعتقد المطلعون ان الرئيس السوري سيحاول اقناع القيادة الإيرانية بأهمية التحالف بينهما, خصوصاً لجهة استقرار النظام في سورية واستمراره.

ولا يستبعد المطلعون أنفسهم ان يكون ثمة ايحاء ملطّف او صريح حتى, الى ان الهدف الأميركي من ضرب نظام الدولة في سورية, خلف نظريات الديمقراطية والليبرالية, هو قطع الهلال الشيعي الجديد المتكون من إيران وحتى لبنان. وقد يكون تصريح الملك عبدالله الثاني عاهل الأردن, حول هذا الأمر, خير دليل على القلق الأميركي إزاء هذه المسألة. والايحاء نفسه قد يذهب الى التحليل بأن الاستهداف الأميركي للنظام في دمشق, هو في النهاية استهداف للنظام الشمولي في طهران نفسها, وتحسّب لتطوراته العراقية واللبنانية. مع ما يمكن لهذه "الثغرة" في الامتداد الشيعي "الخصيب", ان تكون لها انعكاسات تفجيرية في أكثر من مكان, وخصوصاً في بيروت وبغداد, النظامين المجاورين لسورية, واللذين تصادف أزمة الحدود معهما في هذا الوقت بالذات, بمعزل عن تباين الأسباب والظروف.

ولا يستبعد المطلعون أيضاً ان يكون الرئيس السوري حمل معه الى طهران النص الكامل لمحاضرة وزيرة الخارجية الأميركية في القاهرة في 21 حزيران الماضي, بما ورد فيها من رفض واشنطن "حجج حكومات المنطقة للتملص من الديمقراطية والإصلاح, وخصوصاً استخدام "فزّاعة" التنظيمات الإسلامية وإمكان وصولها الى السلطة". مضيفة في تفنيدها لبلدان المنطقة, ان "حالة سورية خطيرة (...) على دمشق ان تتبنى الخيار الاستراتيجي بالانضمام الى التقدم (...) وللشعب السوري الحق في التحرر من حالة الدولة الأمنية (...) وعلى الرئيس الأسد ان يدع زهرة دمشق تتفتح, بالاستجابة لنداء الناس وتعلّم الثقة بالشعب". وقد يكون الأسد لفت مضيفيه الى المقطع الخاص بإيران في المحاضرة نفسها, حيث تجزم رايس ان "النظام في طهران تيوقراطي, يقوم على الوحشية المنظمة التي لا تسترها عملية انتخابات شكلية (...) نظام قمعي ينكر حريات الناس وحقوقهم (...) بينما الشعب الإيراني مؤهل للديمقراطية ويريدها ويستحقها, وقد حان الوقت لترفع القلة غير المنتخبة قبضتها عن الشعب الإيراني ليحقق تطلعاته".

أي نتائج ممكنة لهذه الزيارة؟ يلاحظ المطلعون ان سورية تأمل منها ان يدرك الإيرانيون تطابق الأخطار والتحديات على كل من دمشق وطهران في المرحلة الراهنة والمقبلة. فيما قد يأمل الأميركيون ان يسأل المسؤولون الإيرانيون ضيفهم عن نسب الجماعات السورية المختلفة, فيما هم يعدون العدة لطائف أكثريتهم في بغداد.

مصادر
صدى البلد (لبنان)