لم يكن رئيس الحكومة السابقة، حكومة الانتخابات، نجيب ميقاتي على علاقة ود برئيس الجمهورية العماد اميل لحود. لكنه لم يكن في الوقت نفسه خصما له او عدوا. فقد جمعهما في الماضي ما اطلق عليه كثيرون "الخط الوطني" وفرقت بينهما السياسات الداخلية والمصالح. وكان منذ احترافه السياسة قبل سنوات حليفا لسوريا وصديقا شخصيا لرئيسها بشار الاسد. كما كان على علاقات ود وتواصل مع جهات عدة داخلية واقليمية وخارجية متنوعة ناصب بعضها سوريا العداء. هذه الصفات كلها اوصلت ميقاتي الى رئاسة الحكومة في ظرف لبناني صعب وفي ظرف سوري اصعب وفي ظرف اقليمي واخر دولي خطير جدا. وظن اللبنانيون ولا سيما منهم السياسيون ان كل ذلك سيمكن المنضم حديثا الى "نادي رؤساء الحكومة" في لبنان من تنفيذ كل الوعود التي قدمها وتحقيق عدد من الانجازات رغم الطابع الانتقالي لحكومته و"ولايتها" القصيرة. لكن ظنهم هذا اصاب وخاب في الوقت نفسه، اصاب اذ اجرى ميقاتي الانتخابات النيابية بالحد الادنى المطلوب للنجاح و"ساهم" في ابعاد قادة الاجهزة الامنية عن مواقعهم في شكل او في آخر استجابة لمطالب المعارضة المتنامية وربما لمطالب المجتمع الدولي الذي وضع لبنان تحت رعايته. لكنه خاب اذ عجز ميقاتي عن تعيين بدلاء من هؤلاء القادة، وبدا ان السبب في ذلك كان في حينه اما تباينا في المواقف من هذا الموضوع مع الرئيس اميل لحود او مع صهره وزير الدفاع الياس المر اي مع معسكر الرئاسة الاولى واما الخلاف على طائفة تلك المواقع الوظيفية المهمة او على مذهبيتها. ولم يساعد انتماء كل هؤلاء الى "الخط الوطني" في حل هذه المشكلة فآثر الجميع "ترحيلها" الى الحكومة غير الانتقالية التي يفترض ان تنبثق من مجلس نواب جديد. وهكذا صار.

لماذا هذا الكلام الآن؟

للاشارة الى صعوبة مهمة الحكومة الجديدة التي يترأسها فؤاد السنيورة. فهو كان وزيرا "عريقا" حقق نجاحات مهمة في كل الوزارات التي تولاها رغم الانتقاد المستمر له من الناس والسياسيين على سياساته الضريبية وكان وزيرا عصريا حدّث وزارة المال والادارات التابعة لها الامر الذي حفظ ثروة لبنان العقارية من "الفئران" في المستودعات ومن "الحريق" و"الغريق". وكان ايضا صديقا للرئيس الشهيد رفيق الحريري صاحب الانجازات الكبيرة في البلاد ومساعده واحيانا شريكه في الافكار. وكان ايضا واحدا من الذين زودوا سوريا بناء على طلب من الحريري الراحل اكثر من دراسة معمقة لاعادة تنظيم ادارات فيها ووزارات ابرزها المال. وهو الآن رئيس حكومة تستند الى غالبية نيابية موصوفة. رغم ذلك كله فانه لم يستطع حتى الآن معالجة مشكلات وقضايا لا تتطلب وقتا طويلا لو حسنت النيات او لو صفت القلوب وخلت من الاحقاد. قد يقول كثيرون ان الرئيس السنيورة وحكومته صار لها في "القصر" الحكومي من "مبارح العصر". وهذا قول صحيح. لكن التجارب علمت اللبنانيين ان يثقوا بمشاعرهم واحاسيسهم وخبرتهم وبتقويمهم العفوي للامور والاوضاع والذي قد يكون دقيقا احيانا كثيرة. وذلك كله يشير الى ان الحكم ليس واحدا في الواقع ، والمقصود بالحكم رئاسة الدولة والحكومة. ويشير ايضا الى ان الحكومة ليست واحدة. وقد يكون اختبار هذه الوحدة الغائبة فعلا والحاضرة اسما باسرع مما يتصور كثيرون. وكيف يكونون واحدا وبين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وغالبية من اعضائها ما صنع الحداد؟ والتعايش بينهما فرضته ظروف معروفة وكل منهما يتربص بالاخر، بل كل منهما ينتظر تطورات معينة داخلية او خارجية او دولية (أمم متحدة) لحسم النزاع المعروف ولكن غير المتداول كثيرا علنا هذه الايام ريثما تمر استحقاقات معينة؟ وداخل الحكومة هناك اتجاهان اساسيان لكل منهما موقف فعلي من قضايا دولية ذات انعكاسات داخلية مختلف كليا او جزئيا عن الموقف المعلن. وداخلها ايضا هناك جهات تداري بعضها بعضا تلافيا للاختلاف ولانعكاساته السلبية على الشارع.

هل يرمي ذلك الى اطلاق دعوة غير مباشرة اما الى تخلي الرئيس لحود عن موقعه لشخص يمثل الغالبية النيابية واما الى عودة حكومة موالية له على نحو ما كانت الامور عليه في السابق؟

طبعا ليس ذلك الغاية، علما ان الانسجام في السياسات والمواقف بين المؤسسات الدستورية في الانظمة الديموقراطية مطلوب رغم الحرص على فصل السلطات. فالتغيير الرئاسي لا يبدو انه في يد احد حاليا وسيبقى كذلك الى حين انتهاء استحقاق دولي بالغ الاهمية والخطورة في آن واحد. والتغيير الحكومي "الى الوراء" اذا جاز التعبير على هذا النحو صار مستحيلا لاعتبارات شعبية ونيابية. وهذا يعني ربما غياب الحلول لكثير من القضايا والمشكلات. ويعني ان حكومة الغالبية ستبقى انتقالية في "انتاجها" الى فترة قد تطول. الا اذا اهتدى الجميع في الرئاسة والحكومة او خارجهما وامتنعوا عن استعمال الشعب ومصالحه ادوات في الحرب الضروس المستترة الدائرة التي تقلق الناس بل ترعبهم والتي لا يعرف احد كيف تنتهي، فهل يفعلون؟

مصادر
النهار (لبنان)