يزداد اهتمام الولايات المتحدة الاستراتيجي بغربي أفريقيا حيث خليج غينيا الغني بالنفط، والذي تتبع منطقته النفطية للجمهورية الصغيرة للجزيرتين التوأمين ساوتومي وبرنسيب. إذ ظهرت سفينة تابعة للبحرية الأميركية في خليج غينيا حيث تكثر التوقعات بوجود كميات هائلة من النفط قد تفوق، خلال عقد، صادرات نفط الخليج العربي إلى الولايات المتحدة.

ويقول الأميركيون ان هذه المنطقة سهلة التعرض للقرصنة والإرهاب والقلاقل السياسية في وقت تسعى الولايات المتحدة الى التخفيف من اعتمادها على نفط الشرق الأوسط غير المستقر أمنياً.

<<هناك الكثير من الماء والقليل من الأمن، وحيثيوجد عوز في الأمن، تكثر فرص ظهور عوامل سيئة>> يقول الملازم دانيال تروت المتخصص في استراتيجية القوات البحرية الأميركية في أوروبا، والذي يشمل نطاق مسؤوليته معظم أفريقيا. ورغم أن الموظفين الأميركيين لم يبلغوا حتى الآن عن وجود أي نشاط إرهابي في الخليج الغيني، غير أنه يعتقد أن أفراداً من تنظيم القاعدة موجودون <<في مكان ما من أفريقيا>>، وخاصة في البلدان ذات الصبغة الإسلامية كالجزائر (منتجة النفط منذ أمد طويل) وموريتانيا (المؤهلة لضخ النفط في العام المقبل) ونيجيريا، حيث أدى اتصال هاتفي تهديدي لإغلاق القنصلية الأميركية أبوابها في لاغوس لعدة أيام. وكان زعيم القاعدة أسامة بن لادن قد أشار ضمنياً إلى وجوب تحرير نيجيريا في بيان نشر على الإنترنت. وتذهب معظم صادرات النفط النيجيري باتجاه الولايات المتحدة وأوروبا. ويبدو أن أميركا تسعى للتخفيف من اعتمادها على نفط <<الشرق الأوسط>> المتأزم، عبر الالتفات إلى غربي أفريقيا التي تنتج حوالى 4,5 ملايين برميل يومياً من النفط الخفيف الصافي. ويتربع الخليج الغيني حالياً على رأس الدول الأفريقية المصدرة للنفط، وينتج حوالى 15 في المئة من حاجات الولايات المتحدة من النفط. وقد ترتفع هذه النسبة بحلول 2015 إلى 25 في المئة، وفقاً لتقديرات وزارة الاستخبارات الأميركية.

وينتج الخليج العربي بالمقابل حوالى 22 في المئة من واردات النفط الأميركية، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية. ويقدر أن يصل إنتاج الخليج الغيني خلال السنوات الخمس المقبلة إلى خمس الإنتاج العالمي من النفط، وأن تستثمر مبالغ تفوق 33 مليار دولار في المنطقة، تأتي 40 في المئة منها من الشركات الأميركية، وفقاً لتقديرات مركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية والدولية. إذا انتقلنا على مهل من ساحل العاج إلى أنغولا، فسيبدو الخليج الغيني غريباً نسبياً للقوات الأميركية، وجولاته في المنطقة كجولته الأخيرة الشهر الماضي عبر طاقم من قواته البحرية، تبدو كأنها جولات استطلاعية هي أقرب إلى محاولة كسب الود والإلفة منها إلى تقييم التهديدات المحتملة على النفط. إذ ما لبث طاقم السفينة الأميركية المؤلف من مئة رجل أن اختلط بسكان جزيرة ساوتومي الذين صعدوا على سطحها وأخذوا يدردشون مع جنود البحرية الأميركية، في حين التف آخرون حول جنود أميركيين على أرض الجزيرة وشرعوا يلعبون كرة القدم على الشاطئ الرملي. وأكثر من ذلك، ما لبث أن اقتحم الجنود الأميركيون ساحة الجزيرة المأهولة بحوالى 150 ألف أفريقي، وأقاموا ما يشبه حملة علاقات عامة داخل مبنى ثانوية، متحولين إلى موظفي علاقات عامة بوقوفهم قرب الباب والترحيب بالحضور! ورغم أن حكام جزيرة ساوتومي رحبوا بحرارة بالحضور الأميركي الذي دام أياماً ثلاثة، إلا أن أية أوهام لم تتملكهم، إذ علق نائب رئيس الجمعية الوطنية كارلوس نيفز على الزيارة بقوله <<للأسف إن الأميركيين مهتمون بساوتومي لأجل النفط غير أن ساوتومي كانت موجودة قبل ذلك>>.

ولا تملك ساوتومي حتى الآن أي مخزون نفطي مؤكد، ولكن البحث جار والحكومة قد كافأت بعض قطاعات الاستكشاف التابعة لشركات أميركية وغيرها. وفي حين تحمل أميركا الرغبة الضمنية القوية لأداء دور أكبر في المنطقة حمايةً لمصالحها، إلا أنها تجد نفسها عاجزة، في الوقت الحاضر، عن تأمين الموارد اللازمة لتوفير الأمن البحري المطلوب مع بقاء معظم جيشها عالقاً في العراق، وفقاً لتصريح قائد السفينة الأميركية الاستطلاعية الكابتن تروت، الذي أضاف مطمئناً <<إن ما نسعى إليه، في الوقت الحالي (على الأقل)، هو زيادة ارتباطنا بالمنطقة، ليس بهدف إرسال السفن من أجل النفط، بل لتطوير الشراكة والقدرات. خيارنا الأول هو في استعمال كل ما بوسعنا من أجل تسهيل التدريب والتعاون الاقليمي>>.

من جهة أخرى، وصف قائد الزورق السريع بوب واغنر الزيارة الأميركية بأنها بمثابة تدريب على حماية الأمن الأفريقي البحري كخطوة وقائية لإبعاد الإرهابيين عن تلك البحار، مع وجود القاعدة العسكرية الأميركية الوحيدة في المنطقة في القرن الافريقي، في دولة جيبوتي، حيث تتركز جهود محاربة الإرهاب في القارة.

لقد ظلت ساوتومي مراقبة لفترة من الزمن وتم النظر إليها كالقاعدة البحرية المستقبلية الجديدة للقوات الأميركية في أفريقيا، غير أن مسؤولي البلدين نفوا أي احتمال من هذا النوع. وقد صرح سفير أميركي بارز أن القوات الأميركية قد تستخدم مؤن المساعدات في ساوتومي كباقي أجزاء أفريقيا لتأمين التجهيزات والمعدات اللازمة لحالات الطوارئ لا أكثر. كما تضع الولايات المتحدة حالياً دراسة حول توسيع المطار وبناء ميناء سفن عميق في شمالي العاصمة، استعدادا لظهور كميات نفطية ضخمة في المكان، دون أن تعرض بناء أي من المنشأتين.

ما يقلق الأميركيين أن ساوتومي هي جزيرة صغيرة وقوات السواحل الأفريقية ضعيفة وغير متعاونة مع بعضها البعض. ولا تزيد قوات خفر سواحل جمهورية ساوتومي وبرنسيب عن الخمسين رجلاً وقاربين مطاطين، وهي قوة غير كافية لحماية النفط المتوقع اكتشافه بوفرة في المنطقة المشتركة مع نيجيريا، والمتوقع أن تحوي حوالى 11 مليار برميل. ويرى الأميركيون أن هناك خللاً فادحاً في الأمن الأفريقي، حتى ان بعض المنابع النفطية المخصصة للأميركيين في غينيا الإستوائية مثلاً ليست محمية بالبحرية الضعيفة لذلك البلد وإنما بعناصر أمنية خاصة غير مسلحة.

يبدو أن أهداف أميركا في المنطقة هي إذاً الاهتمام بالاستقرار السياسي والحفاظ على تدفق النفط ، خاصة في نيجيريا، التي تصدر مليونين ونصف من براميل النفط يومياُ يذهب نصفها إلى الولايات المتحدة. وقد أدت الاعتداءات والتهديدات العسكرية على عمال النفط الأجانب في المنطقة الغنية بالنفط في نيجيريا إلى وقف إنتاج مئات الآلاف من البراميل يومياً.

ويلاحظ تطور إحساس الولايات المتحدة بوجوب التدخل تزامناً مع عزل رئيس موريتانيا المتحالف مع الولايات المتحدة، والذي كان يتطلع بازدياد إلى الغرب ويشيع أن ثمة تهديدات كبيرة على المنطقة من مقاتلي القاعدة. ولا تخلو غينيا الاستوائية وساوتومي كذلك من منغصات للاستراتيجية الأميركية، بعد أن شهدتا انقلابات عسكرية متعاقبة العام الماضي.

وبعد أن اعتادت واشنطن تجاهل غينيا الإستوائية في السابق، بدأ الأمر يختلف مع اكتشاف النفط حديثاً. إذ تُعد هذه الزيارة لغينيا الإستوائية الأولى من نوعها منذ 13 عاماً. ويقول مسؤولون أميركيون ان معظم البلدان رحبت بالزيارة الأميركية على الرغم من أن أحدهم وصف استقبال المسؤولين العسكريين في غينيا الاستوائية ب<<الفاتر وغير الودي>> مبرراً ذلك بازدياد التأثير الصيني هناك. والحدث اللافت هو التجمع الأول من نوعه الذي حشدت له البحرية الأميركية في تشرين الأول الماضي في إيطاليا، والذي ضم مسؤولي بحرية الخليج الغيني. ويخطط لعقد مؤتمر مماثل في غانا في كانون الأول المقبل، في ما يشبه تعزيز الترابط بين الممسكين بزمام الأمن في أفريقيا.

مصادر
السفير (لبنان)