السلام مطروح اليوم بقوة كما طرح بعد عام 1990 .. وربما بآليات مختلفة لا تعتمد الحوار الذي كان سائدا في السابق، فالشكل الجديد له مختلط مع مفاهيم الحرب الاستباقية ومكافحة الإرهاب وإعادة التشكيل الثقافي للشرق الأوسط. والسلام ليس إجراء سياسيا حتى نستطيع تبنيه أو رفضه .. والموقف منه لا يمكن ان يصبح جليا قبل أن تتضح بنيته الثقافية. لأن هذا السلام ليس بين دول متجاورة جغرافيا، وهو لا يعني حالة من حسن الجوار أو التعايش السلمي، لكنه مبني على قفزة ثقافية للمنطقة، حيث يعتبر الطرف الأول (إسرائيل) أنه شعب لأرض لا يملكها أحد .. بينما تذخر هذه الأرض بالنسبة لنا بتراث ثقافي يمتد إلى التجمعات السكانية الأولى في أريحا. بهذا الشكل علينا ان نفهم السلام .. فتحديد الموقف السياسي منه ليس مهما، لأن الأمر الأساسي هو النسيج الثقافي الذي سينتج عن هذه العملية، وما هي الصورة التي يجب ان نكون عليها عندما يظهر هذا النسيج "الثقافي" و "السياسي" و "الاقتصادي". السلام في عمقه لا يمكن أن يكون ضغطا على سورية، أو رغبة سياسية لمجموعة أو تيار أو حكومة، فهو في جوهره تحول بنيوي يختلف نوعيا عن أي حدث شهدته المنطقة. حيث لا يمكن قياسه إلى حوادث مشابهة جرت في الحروب الصليبية أو أيام المغول والتتر والعثمانيين وصولا إلى الانتداب الفرنسي وظهور "دولة إسرائيل". الاعتراف بإسرائيل أيضا ليس حدثا برتوكوليا .. ففي عمقه إقرار بانتهاء إيديولوجيات ونظم فكرية، وهذا الأمر ينطبق أيضا على "إسرائيل" نفسها، لأن السلام يعني انتهاء "الحلم" اليهودي، ومقولات التطرف التي تزرعها الأحزاب الدينية، وتتلاعب بها للبقاء كنقطة توازن داخل الحكومات المتعاقبة. السلام لا يساوي الانتحار .. أو الخيانة أو الهزيمة، لكنه يتحول لهذه الأمور مجتمعة عندما لا نحدد ثقافتنا القادمة تجاه القفزة النوعية "السياسية" نحو الاعتراف بإسرائيل. والسلام لا يساوي الرخاء وانتهاء التعسف أو النظم غير الديمقراطية. فهو شكل منفصل لكن كي نستطيع تحمل القادم، سواء حمل السلام أو الحرب، فعلينا القفز فوق الثقافة التي تولد التعسف والاستبداد وحتى الفساد.

مصادر
سورية الغد (دمشق)