ربما تكون بعض التحليلات محقة بشأن تهويل موقع التنظيمات الدينية داخل التكوين السياسي السوري .. ومن الممكن النظر إلى الخارطة السياسية السورية على أنها بتنوعها قادرة على حماية نفسها من التطرف ... وكل نتائج التحليلات التي تصب في النهاية في مصلحة حزب ديني يمكن فهمها، لكن ما لا يمكن استيعابه هي الوصول إلى نتائج واحدة، أو حتى اعتبار أن سورية في النهاية تقف على عتبة "اللا خيار" !!!

عمليا فنحن أمام ثقافة تراثية جارفة، وهو أمر يحتاج لقراءة موضوعية وليس فقط لتبني نتائج ما آلت إليه الأمور، فالثقافة التراثية ليست حكرا على سورية، حيث شهدنا انتشارها القوي مع بداية العقد الأخير من القرن الماضي. كما أن الثقافة التراثية ليست حكرا على الإسلام، فالمحافظون الجدد جزء منها، و "شخصية شارون" تعبر عنها.

والثقافة التراثية الجارفة كما نفهمها ليست حالة دينية، بل هي محاولة طمس المكونات الثقافية الاجتماعية تحت ستار من المطلقات التي تكتسب طابعا قدسيا. ويبقى أن التعامل مع هذه الظاهرة يشكل بالنسبة لنا مرحلة هامة، وذلك على العكس من تيار المحافظين الجدد، لأنه في النهاية يبقى في إطاره كتيار مهما كانت قوته، لكنه يقف مع باقي التيارات الثقافية والاجتماعية والسياسية. وحدانية التيار التراثي هو الأمر المرعب اليوم، لأنه جرف في طريقه حتى النشطاء الليبراليين، وربما أوجد منفذا لهم للتصالح مع مصالح المجتمع بعد حالة من الانقطاع لأسباب مختلفة. وإذا كانت عمليات "الجرف" تظهر عبر أشكال سياسية فإن أخطرها ما يمكن اعتباره تحالفا "شرعيا"، على الأخص في مصر، وذلك مع احتدام المعركة حول الرئاسة المصرية.

ثقافة التراث اليوم هي الغائبة من كافة التحليلات التي تتحدث عن "التهويل" بشأن التنظيمات الدينية، لأن المسار السياسي لا يمكن قراءته دون النظر لهذه الظاهرة التي يمكن ان تأخذ آليات جديدة في أي لحظة اختلاط ما بين الدين والسياسة، أو ما بين عالمنا وحالة الإطلاق التي تصل لإلغاء الزمن والجغرافية داخل التراث.

الترويج اليوم لمسألة الحزب الديني ليست مرتبطة بعمليات الإيمان بضرورة إتاحة الفرصة للجميع، إنما هي قفز أكروباتي على خارطة التنوع داخل المجتمع، والاعتراف بأن القطيعة ممكنة، بل واجبة أحيانا ... والنموذج العراقي ليس شاهدا .. إنه حالة حية تمشي بين وقائع السياسة الإقليمية ... أما الشواهد فربما لا يمكن ذكرها في مقالة لأنها ممتدة على تاريخ المنطقة منذ ظهور الحضارة.