منذ أن بدأ البشر بتكوين المجتمعات و العيش بمجموعات اتجهت أنظارهم إلى تنظيم نوع من العلاقة فيما بينهم تحفظ حقوقهم تجاه بعضهم البعض إلى أن توصلوا إلى نوع من التنظيم الأبوي و الذي أسموه القبيلة ... ثم دويلات المدن ... حيث أقاموا سلطة للإشراف على تلك العلاقة ... وبعد أن توصلوا إلى تكوين الدولة بمفهومها الحديث و المتكون من أرض وشعب وسلطة سعت مجتمعات الدول إلى تنظيم العلاقة بين شخوص تلك المجتمعات الطبيعية منها والاعتبارية بشكل يحد من تجاوزات الأفراد ويحد من تسيد علاقات الغاب بين أشخاص تلك الدول .

وحديثا كان من أهم الغايات هي الحفاظ على حقوق الإنسان الشخصية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحرياته السياسية والعامة حيث توصل التطور الإنساني في هذا المجال إلى محاولات قوننة تلك الحقوق من خلال ما تعرض له البشر من انتهاكات أصابت حقوقهم في الحياة والحرية والعمل والملكية والصحة .... من قبل سلطات غاشمة كان من المفترض أن تحافظ على تلك الحقوق وتحفظ الكرامة الإنسانية للناس إلا أنها تسلطت ومارست كل أساليب القهر والطغيان ... ودفعت البشرية ملايين الضحايا وعبر مراحل قاسية من نضالها بمواجهة العسف وطغيان الأقوياء والمتسلطين للوصول إلى الحقوق المشروعة .

تطورالمواثيق والمعاهدات المنظمة لحقوق الإنسان

جراء ما عانته البشرية من اضطهاد وانتهاكات لحقوقها وامتهان للكرامة الإنسانية للناس كان من ثمرة تطورها وعبر مسيرة الحضارة والارتقاء شهدنا تطورا ملحوظا في مجال حقوق الإنسان تجلى في محورين أساسيين . أولا: المحور الأول :

عالج هذا المحور الحقوق السياسية والحريات المدنية والعامة وذلك من خلال ما نتج عن الثورات الليبرالية لا سيما في انكلترا وفرنسا من وثائق تجلت بما يلي :
- الوثيقة العظمى لعام 1215 في بريطانية.

- وثيقة الحقوق الصادرة في انكلترا العام 1688 .

- لمواد المتعلقة بحقوق الإنسان والتي تضمنتها وثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1776.

- بيان إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أعلنته الثورة الفرنسية عام1789.

- قواعد القانون الدولي الحديث.

لقد عرف العالم ومنذ القدم نوعا من العلاقات بين أشخاصه الطبيعية والاعتبارية تجلت في معاهدات واتفاقيات صلح وبعض القواعد العرفية .إلا أن تلك العلاقات بدأت تأخذ شكلا أكثر تحديدا شكلت قواعد قانون دولي بدأ يترسخ ويقنن لا سيما بعد الحربين الكونيتين وما يهمنا تلك القواعد المتعلقة بحقوق الإنسان والتي كان من أسمى ما تجلت به ما نصت عليه ديباجة ميثاق الأمم المتحدة في المواد /1-13-55-56-62-68-76/.

ولعل المادتين 55-56 من الديباجة كانت الأوضح حيث نصتا وبشكل جلي واضح لا لبث فيه على التزام الدول الأعضاء بالتعاون الفعال مع هيئة الأمم المتحدة من أجل احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بدون تحيز أو تفريق بسبب العرق أو اللغة أو الدين أو الجنس ومن أجل مراقبة ذلك أسست لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة .

ثم أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يمثل أرقى ما توصلت إليه البشرية في هذا المجال في 10/12/1948 .

و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يشتمل على ثلاثين مادة تتضمن ما يلي :

- الحقوق الشخصية :وهي تلك الحقوق التي تتعلق في حق الإنسان في الحياة والمحافظة على سلامته وكرامته الإنسانية ومساواة جميع الأفراد حكاما ومحكومين أمام القانون وتحريم الاضطهاد والتعذيب والرق أيا كانت أنواعها وأساليبها.

- الحريات السياسية والعامة والمدنية : والتي تتضمن حرية تكوين الأحزاب والجمعيات وحرية الاعتقاد والاجتماع والانتخاب وحرية التعبير عن الآراء دون خوف أو خشية وحرية الانتقال.

- الحقوق الاجتماعية :والمتمثلة بحق الإنسان في جنسية الوطن الذي ينتمي إليه وحق اللجوء عندما تتهدد حياته وحريته وحق الزواج .

ثانيا : المحور الثاني :

الحقوق التي تتعلق بحق الإنسان في الملكية وحقه في العمل وتكوين النقابات المستقلة وحقه في الضمان الصحي والاجتماعي .كل ذلك فضلا عن الحقوق الثقافية .
- تبع الإعلان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بالقرار رقم /2200/ الصادر عن الجمعية العامة في شهر كانون أول من العام 1966 وحدد تاريخ بدء نفاذه في 23/3/1976 .

- ثم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بموجب القرار ذاته تاريخ 16/12/1966 والذي حدد بدء نفاذه في 3/1/1976 .

يعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وملحقاته إنجازا حضاريا مميزا وهاما بما يميزه من طابع إنساني شامل . فهو وثيقة بلورت أماني البشرية وتطلعاتها بما اشتملت عليه لا سيما في مجال عدم التميز بين الناس تأسيسا على العرق أو اللون أو الجنس أو العقيدة أو الطبقة. كما أنه يتسم بالشمولية نظرا لما تصدى له من مسائل وقضايا وتأكيده على حقوق الإنسان المؤكدة للكرامة الإنسانية الملازمة لكل شخص أيا كان هذا الشخص . لقد دشن الإعلان والعهدين الملحقين به قيام نظام مؤسسي لحماية حقوق الإنسان رغم بعض أوجه النقد الموجهة إليه حيث أن البعض يعتبره توصيات لا يتمتع بالقوة الإلزامية . إلا أن فقه القانون الدولي لا يلفت إلى هذه التوجهات كون الإعلان قد صدر بموافقة /48/ صوتا ضد لا شئ اللهم إلا امتناع ثمان دول عن التصويت هي دول المجموعة الاشتراكية حينها والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا مما لا ينقص من قوته الإلزامية . والإعلان وملحقاته بات يطلق عليها)الشرعة الدولية لحقوق الإنسان)

- يتعين على الدول الالتزام بما تتعاهد عليه أو توقع عليه من مواثيق دولية لا سيما ميثاق الأمم المتحدة الذي يحتم على جميع الدول الأعضاء الالتزام الكامل والمطلق بأحكامه والشيء ذاته بالنسبة للعهود والمواثيق الأخرى وأبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وملحقاته في هذا المجال. كما عليها الالتزام بكل المعاهدات الدولية التي توقع تصادق عليها .كما أنه من مسلمات فقه القانون الدولي أن الدولة المتعاقدة تلتزم بأحكام المواثيق أو المعاهدات التي توقع عليها ومن المتعين والمتوجب على تلك الدول تنفيذ ما تعاهدت أو وقعت عليه من تلك المواثيق ولو أن تلك الأحكام تعارضت مع أحكام القوانين الوطنية وبمعنى أخر فإنه إذا ما تعارض نص قانوني في معاهدة دولية تكون الدولة أحد أطرافها مع نص قانوني وطني فإن النص الواجب التطبيق هو نص المعاهدة أو الميثاق . وصفوة القول فإن ما يتعلق بالمواثيق والمعاهدات التي توقع عليها الدولة تصبح لها أولوية التطبيق داخل إقليم الدولة وعليها الالتزام بها.

- جميع القوانين الأساسية في الدول ((الدساتير)) الأعضاء في الأمم المتحدة تنص على ما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وملحقاته والاتفاقيات الدولية الأخرى ذات العلاقة بالموضوع .

ومن قراءة بعض دساتير الدول الأكثر انتهاكا لحقوق الإنسان نرى أن تلك الدساتير هي الأكثر تأكيدا على كل ما يتعلق بحقوق الإنسان كافة .

لعل أرقى ما توصلت إليه الحضارة الإنسانية من نظم حكم هو نظام الحكم الديمقراطي والذي يمثل النظام الذي يمارس من خلاله الإنسان حرياته كافة وتصان فيه حقوقه بأعلى قدر ممكن .

وإن العلاقة بين حقوق الإنسان والديمقراطية كنظام حكم يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع هي علاقة جدلية طردية . وبالمفهوم المخالف إن أشد أنظمة حكم تنال من حرية الإنسان وحقوقه هي أنظمة الحكم ذات الطابع الشمولي التتوليتاري .وذلك بما يضفيان من تشويه على تلك الحقوق من خلال التلفيق الديماغوجي والغش والشعارتية الجوفاء والمغلفة جميعا بلباس إيديولوجي أضحى من مخلفات مراحل تاريخية انقضت أو هي في طريقها إلى مخلفات التاريخ .

إن العالم برغم ما يتعرض له من محاولات هيمنة إمبراطورية أمريكية نقول إن العالم يثير بخطى حثيثة للتخلص نهائيا من بقايا أنظمة الحكم الشمولية والتي تمثل فيها انتهاكات حقوق الإنسان أعلى المعدلات في مجالات تلك الحقوق الشخصية والعامة والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية تحت ستار من الخداع والتغطي وراء سيادة الدولة والذي كان يضلل ولم يعد كذلك .

قال الرئيس التشيكي هافيل : «إن حياة الناس وحرياتهم وكرامة الناس تمثل قيما أسمى من سيادة الدولة .إن مجموعة من القوانين التي تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الإنسانية المحفوظة في الاتفاقية الموقعة حول الإبادة الجماعية والحقوق المدنية والسياسية تقضي بأن الأفراد كما الدول تمتلك حقوقا أساسية ....... إن الحكومات التي ترتكب مثل هذه الجرائم أو تسمح بحدوثها ... يجب أن تتم محاسبتها»

والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أعلن «إن الدول المصممة على انتهاك سلوك إجرامي يجب أن تدرك أن الحدود لا تؤمن لها الحماية المطلقة ويجب أن لا نسمح بالاستمرار في انتهاك حقوق الإنسان نظامي وخطير في أي مكان من العالم» وأخيرا لا بد أن نشير إلى نقاط لا يجب أن تغيب :

- إن ما توصلت إليه الحضارة الإنسانية في مجال حقوق الإنسان هو نتاج تطور حضاري أممي .

- إن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان هو نتاج تفاعل الثقافات والحضارات شاركت فيه كل شعوب الأرض والزعم بغير ذلك هو زعم زائف .

- إن الحفاظ على الكرامة الإنسانية للإنسان وعلى حقوقه المؤيدة بالشرعة الدولية هي حاجة وليست ترفا .

-إن هذا النتاج هو ملك للبشرية كلها.

- بروز النشاط في مجال حقوق الإنسان في وطننا العربي يعتبر بقعة ضوء ستتسع وتتسع ليعم نورها كل أرجاء الوطن.

-الديمقراطية كنظام حكم يمارس الإنسان من خلاله حريته وحقوق الإنسان كحاجة متلازمان .

- الكلام عن حقوق الإنسان في ظل نظم الحكم الشمولية و تسييد القوانين الاستثنائية و الأحكام العرفية وتبعية القضاء وعدم استقلاليته ضرب من العبثية .

وتأسيسا على ما تقدم فإن الحضارة الإنسانية استطاعت تحقيق قفزات نوعية في مجال القانون والتنظيم الدوليين حيث قدمت حقوق الإنسان وجعلته متلازما مع سيادة الدول وإن أنظمة الحكم التي تنتهك تلك الحقوق وتستمر في ذلك هي المسؤولة عن النيل الذي يلحق بسيادة دولها كما أن احترام حقوق الإنسان وتأمين حمايتها وعدم المساس بها ومعاقبة من يتعدى عليها كفيل بإشاعة الأمن الحقيقي والسلام .