قبل أكثر من نصف قرن تم إعلان "دولة إسرائيل" بشكل رسمي .. كانت الخارطة السياسية تبدو بعد هذا الإعلان مؤهلة لتقلبات متكررة حصدت الآلاف من الأرواح ومزقت مجتمعنا بشكل واضح.

واليوم ومع عمليات الانسحاب من غزة لا يبدو ان ظهور "إسرائيل" بات يشكل أي فارق على المستوى الجيوبولتيكي للمنطقة، بعد أن انتهى عصر الرفض القاسي لـ"إسرائيل". ليظهر اليوم صورة "افتراضية" لشرق أوسط كبير يتجاوز أحقاده ويستمر في التنمية والتطور. وإذا كان الإعلام العربي فند على مدى الشهرين الماضيين كل ادعاءات الرفاه للشرق الأوسط الكبير .. كما أن القيادات الرسمية للنظام العربية رفضت قيم الشرق الأوسط الكبير .. فإن ذكرى تأسيس إسرائيل تأتي اليوم في مجال من التيه الذي يلف المواطن والمجتمع.

ربما تراجع حجم الحديث عن “الصراع العربي – الإسرائيلي” داخل الأدبيات العربية عموما. وربما طغى خطاب حقوق الإنسان على حجم الدفق الإخباري الوارد من العالم العربي. لكن مسألة "إسرائيل" ما تزال حاضرة إنما بسياقات جديد. فلا شك أن الخطاب الديني هو الذي يتصدر اليوم مسألة الصراع. بينما تسعى القوى العلمانية، أو بقاياها، في تحديث الخطاب الليبرالي!!

ربما لن تكون مسألة إسرائيل عنوانا جذابا للتيارات السياسية على امتداد العالم العربي، فباقي العناوين مثل المجتمع المدني وانتهاكات حقوق الإنسان أكثر جذبا، لكن القوى العلمانية يجب أن تحاول تجديد خطاب الرفض لإسرائيل عبر صياغات جديدة، بدلا من تبديل اللون العام للخطاب. فمسألة إسرائيل لا تتعلق فقط بمسألة الحقوق بل أيضا بالسياق الثقافي الذي فرضته إسرائيل كدولة تقوم على الجامع الديني.

ومن هذه الزاوية فإن أكبر النجاحات لإسرائيل ليست قتل عبد العزيز الرنتيسي أو فرض السلام على العرب .. فنجاحها الأساسي هو في تطوير التطرف الذي أصبح اليوم عنوانا يطلق على ثقافتنا!! وأهم انتصار إسرائيلي كما يبدو اليوم هو في حرف الصراع نحو المجال التراثي، بدلا من أن يصبح صراع التطور والحداثة والمستقبل .. فهل ستبقى التيارات العلمانية مشغولة بتحديث الليبرالية فقط!!

مصادر
سورية الغد (دمشق)