لولا المأزق الأميركي في العراق لما تمكنت ايران الذهاب بعيداً في تحدي أوروبا والولايات المتحدة والإعلان أنها ستستمر ببرنامجها النووي غير آبهة بالعرض الذي قدمته لها الترويكا الأوروبية (المانيا وفرنسا وبريطانيا).

لدى ايران هامش واسع للمناورة يتمثل أولاً في سيطرة المحافظين على كل مفاصل السلطة. وتكرست تلك السيطرة بفوز محمود احمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة على حساب هاشمي رفسنجاني الرئيس الايراني السابق الذي لم يظهر وجهه الاصلاحي إلا متأخراً. وجاء فوز أحمدي نجاد الذي أكد وهو يتسلم الرئاسة من سلفه محمد خاتمي أن ولاءه لـِ"مرشد الثورة" السيد علي خامنئي من النوع المطلق، وأن في ايران سلطة واحدة موحدة يوجهها "المرشد". إنه انقلاب حقيقي نفذه المحافظون على دفعات بدأ بإزاحة رؤساء البلديات من الاصلاحيين كما حصل في طهران مثلاً وانتهى بانتخابات الرئاسة مروراً بالطبع بالسيطرة على مجلس النواب.

ويصب في توسيع هامش المناورة لدى ايران ارتفاع أسعار النفط وهو ما أدى عملياً إلى نوع من الانفراج على الصعيد الاجتماعي عوض الى حد ما السياسات الاقتصادية الفاشلة التي اتبعت منذ قيام الثورة وسقوط الشاه. أوليس الفشل الأكبر للثورة الايرانية تحول البلد أكثر من أي وقت مضى رهينة صادراته النفطية بعدما كان أحد الشعارات التي رفعت بعد اسقاط الشاه أن الهدف تنويع الاقتصاد؟ ألم يقل غير مسؤول ايراني إن بلاده بعد الثورة لن تعود أسيرة النفط؟

إن ارتفاع أسعار النفط يساعد إلى حد كبير في التخفيف من النقمة الشعبية على المحافظين، خصوصاً أنه بات في استطاعة هؤلاء تنفيذ مشاريع معينة تستفيد منها الطبقات الفقيرة. ولكن يبقى السؤال إلى متى ستظل ايران معتمدة على صادراتها النفطية في غياب سياسة اقتصادية وتنموية عصرية، سياسة تأخذ في الاعتبار أن ليس في استطاعة بلد يطمح إلى لعب دور اقليمي الاعتماد على مدخوله من الصادرات النفطية إلى ما لا نهاية بدل إقامة قاعدة اقتصادية متينة!

أما عنصر القوة الأساسي في الموقف الايراني فهو العراق. فبعد سنتين وأربعة أشهر على سقوط نظام صدام حسين البعثي ـ العائلي، يتبين أن ايران تعتبر الرابح الأول من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق. وفي غياب أي مشروع ذي طابع عربي للعراق، تبدو ايران عبر الأحزاب الشيعية الرئيسية مثل "حزب الدعوة" أو "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" ممسكة بمفاصل السلطة في البلد. يساعدها في ذلك التطرف السني الذي تغذيه أطراف خارجية وتصرفات السلطات العراقية نفسها. إن هذه السلطات تتصرف وكأن السنة العرب صاروا مهمشين وأنه يجب تحميلهم مسؤولية ما ارتكبه نظام المقابر الجماعية الذي أقامه صدام حسين وأفراد عائلته. ويبدو كأن هناك خطة واضحة لدى بعض المسؤولين العراقيين من أجل استنفار أهل السنة ودفعهم الى التطرف من جهة والقضاء على أي وجود عربي في البلد من جهة أخرى. وإلا كيف يمكن تفسير تلك السهولة التي يخطف بها أنصار "أبو مصعب الزرقاوي" ديبلوماسيين عرباً من أحد الأحياء الأكثر أمناً في بغداد ثم يلجأون الى تصفيتهم؟

تشعر ايران بأنها خرجت منتصرة من الحرب الأميركية على العراق وأنه بات يحق لها جني بعض ثمار هذا الانتصار أقله عبر تحدي اميركا وأوروبا ببرنامجها النووي. إنها تريد توجيه رسالة فحواها أن على أميركا وأوروبا القبول بها كقوة اقليمية في الخليج وفي آسيا حيث سيتيح لها سلاحها النووي تأكيد وجود توازن بين ثلاث قوى هي الهند وباكستان وايران بدل اقتصار هذا التوازن على قوتين نوويتين. كل هذا الكلام قد يكون صحيحاً وما هو صحيح أكثر منه أن إمساك ايران بالوضع العراقي وراء عدم سقوط عدد أكبر من الجنود في صفوف الجيش الأميركي. ولكن يبقى السؤال الأساسي: هل مسموح في النهاية لإيران امتلاك السلاح النووي؟ إن هامش المناورة لدى ايران واسع جداً وهذا أمر لا يمكن تجاهله. ولكن ما لا يمكن تجاهله أيضاً هل في الإمكان بعد إعلان الولايات المتحدة أنها في حال حرب وذلك منذ 11 أيلول 2001 السماح بأن يكون نفط الخليج تحت رحمة نظام رجال الدين في ايران؟

مصادر
المستقبل (لبنان)