مشكلة الاستراتيجية الأمريكية اليوم تجاه المنطقة إجمالا ليست في طبيعة ما ترسمه، إنما في القناعة الاجتماعية عموما بأن الهوية يمكن تشكيلها وفق ما يهوى أصحاب التراث، وأننا نستطيع فهم الدولة على سياق يستذكر الخلفاء الراشدين.

والسيناريوهات الأمريكية، كما بدت في العراق على الأقل، ركبت دولة فيدرالية للطوائف والاثنيات، والتصريحات السياسية في العراق وخارجه ترى أن هذه الديمقراطية هي الواقع الذي لا يمكن تجاوزه.

ربما يشكل التراث جوهر الثقافة الاجتماعية، بكل ما تحمله من تقسيمات القبيلة والطائفة .. وربما يحمل المجتمع كل تطلعات الأفخاذ والبطون والانشقاقات التي بدأت بالخوارج ولم تنته حتى اليوم، لكن الادعاء أن مفهوم الدولة يمكن أن يستوعب هذا "الزخم" التراثي أمر يحتاج إلى إعادة نظر. وإذا كنا نفهم الدولة وفق تطور النظريات الاجتماعية، وليس طبقا لقاعدة "خليفة الله على الأرض"، فإن صب فسيفساء الطوائف والقبائل داخل هذه المؤسسة سينتج حتما فسيفساء دول، وفسيفساء معارضة، وفسيفساء سلطة سياسية.

المشكلة اليوم هي في الرضى على الذات، وبأن تجربة أكثر من نصف قرن في محاولات مواكبة العصر لا بد أن تنته عند أمراء الطوائف ... والوصول إلى قناعة أن التمثيل السياسي هو "طائقي" ... "أثني" .. "عرقي" ... ولا حاجة لمناقشة مفاهيم الحداثة طالما أنها قادتنا إلى الدولة الاستبدادية أو الانقلابات العسكرية أو حتى انهيار التجارب التنموية.

ضمن العالم اليوم تاريخ طويل من انهيار التجارب دون أن يعني عملية النكوص نحو التراث .. وضمن الفهم المعاصر لم تكن نظريات الحداثة مطلقات وحتميات بل حركة دائمة ... وفي تاريخ الثورة الفرنسية عشرات المطبات التي انتجت جمهوريات متتالية، بينما توقف إنتاج الملوك عن "لويس السادس عشر" ... أما في الولايات المتحدة فإن الدستور تعرض لكثير من الاختبارات ولم تسير الأمور باتجاه عودتها كمستعمرة بريطانية. اما الاتحاد السوفياتي فانهار وبقي القياصرة تاريخ يتم تقيمه اليوم ... أما مسألة الخلافة ودولة الطوائف في مسألة مصيرية اليوم لأن قناعة البعض تدفعه لمحاربة نفسه قبل الصراع من أجل الديمقراطية ...

السيناريوهات الأمريكية قابلة لتحقيق لأننا مقتنعون بقدرتنا على استنساخ الماضي، رغم ان هذا الماضي لم يكن مبهجا كما في حلمنا ... فهو سياق تاريخي وأعفونا من التجربة.