عندما يخرج آخر مستوطن من غزة تكون إسرائيل خطت خطوة نحو تغيير شكل احتلالها للأرض الفلسطينية التي استولت عليها عام 67. ويتخذ هذا التغيير وجهين. الأول هو إلغاء الطابع الاستيطاني لاحتلال غزة والذهاب به نحو صيغة نيوكولونيالية. الثاني هو تعزيز الطابع الاستيطاني لاحتلال الضفة الغربية في ظل موقف رسمي معلن وصريح بنية ضم القدس الشرقية، والكتل الاستيطانية، والشريط الفاصل عن الأردن، وكل أرض تعتبرها إسرائيل ذات أهمية حيوية لها. إن التغيير، في الاتجاهين، يعني أن الأرض المحتلة... محتلة. وهو يعني ذلك بإلحاح أكبر تأسيساً على وحدة الحال بين القطاع والضفة التي سبق للدولة الصهيونية أن اعترفت بها. ولقد حاولت إسرائيل، وفشلت، في أن تصل بانسحابها من غزة، إعادة الانتشار بالأحرى، إلى نقطة يصبح ممكناً معها إلغاء صفة الاحتلال. غير أن الردود القانونية كلها كانت حاسمة في أن ما سوف يستقر عليه الوضع لا يلغي هذه الصفة.

يمكن <<الرهان>> على أن التطورات الداخلية في إسرائيل، واحتمالات الانتخابات المبكرة، والاضطرار إلى إعادة تأطير الحياة السياسية، وصعوبة التوصل إلى توافق حول استئناف العمل ب<<خريطة الطريق>>... يمكن <<الرهان>> أن هذه العوامل، وغيرها، ستؤجل البحث في التسوية الشاملة وفي مصير الضفة. وإسرائيل التي لم تعد تملك شيئاً تقوم به داخل القطاع ستجد نفسها أمام متسع من الوقت للمضي في فرض الوقائع على الضفة: استكمال الجدار، زيادة الاستيطان، التهويد...

بكلام آخر، ستحاول إسرائيل تدعيم الفوارق بين الوضع الناشئ في غزة والوضع التي تتمناه للضفة. ولا يملك فلسطينيو الضفة خياراً آخر سوى مقاومة هذه الوجهة، والمصير الذي تشير إليه، والضغط من أجل استئناف التفاوض حول التسوية الشاملة. وليس مستبعداً، في الشروط الراهنة، أن تشهد الضفة سخونة يمكن لها أن تفيض نحو الأرض المحتلة عام 48.

إن السؤال المطروح، اعتباراً من الخريف القادم، يتناول سلوك فلسطينيي غزة، وكيفية توظيف المعطى الجديد لديهم في خدمة القضية الوطنية العامة. ويمكن القول، اختصاراً، إنهم أمام خيارين أقصيين تمّ التعارف على تسميتهما <<هونغ كونغ>> أو <<هانوي>>. هل يتجه الغزاويون إلى بناء <<نموذج إغراء>> أم <<قاعدة إكراه>>؟ يعني السلوك الأول الإقدام على بناء واجهة تلبي مطالب المجتمع الدولي في ما يخص الديموقراطية، ومكافحة الفساد، والشفافية، والحكم الصالح، وحقوق الإنسان، وسلطة القانون، ومركزية الأمن، واجتذاب الاستثمار، وإنعاش الاقتصاد، وتعميم <<ثقافة السلام>>، وتطويق الاتجاهات العنفية... وذلك وصولاً إلى الانتخابات أواخر هذا العام. سيكون الهمّ هو كسب الرأي العام العالمي والإسرائيلي، والانتصار في المعركة الإعلامية، والظهور بمظهر الابن الصالح والمطيع للمؤسسات الدولية وذلك على أمل الحصول على مكافأة في شكل دولة مسالمة تضم أكبر نسبة ممكنة من الأرض المحتلة.

ويعني السلوك الثاني بناء قاعدة إكراه تناوش الاحتلال المحيط بغزة، وتضغط عليه، وتربط سلوكها حياله بسلوكه في الضفة، وترتضي حرب استنزاف معه، ولا تمانع في عودته إلى ممارسة اقتحامات محدودة، وترهن استقرارها وازدهارها المحتمل بالمصير الإجمالي للقضية الوطنية.

لا شك في أن مرتكزات الخيار الأول جذابة، وبراقة، ومغرية، وأكثر اتساقاً مع المزاج الدولي، ومع النبض التراجعي المتحكّم بالوضع العربي. ولكن ما لا شك فيه أيضاً أن هذه المرتكزات تضيع عن تحديد الواقع الفعلي ولا تطرح على نفسها السؤال المضني حول تعريف العلاقة المستمرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بصفتها علاقة احتلال. إنها مرتكزات تدير ظهرها تماماً لأي حس عدالي ناهيك عن أي تطلب وطني مشروع.

لا يعني هذا الفهم لمعنى الخيار الأول أن الفلسطينيين مطالبون، حرفياً، باعتماد الوجهة الثانية. والواضح من تطورات الأيام الأخيرة، لا بل الأسابيع الأخيرة، أن من يُنسب إليهم تفضيل الوجهة الثانية لا ينوون ممارستها بالشكل الذي يفترضه بنيامين نتنياهو. فهم يدركون أن الغزاويين بحاجة إلى قدر من التقاط الأنفاس والراحة. إلا أن الخط الأحمر، بالنسبة إليهم، هو الحؤول دون أن يتطور <<الحكم الذاتي>> في غزة إلى حد فك الارتباط الكامل مع الضفة والانسحاب من تشكيل احتياطي للمعركة الوطنية المستمرة. إن الانتخابات القريبة عنصر مهم لتبيان التوازن بين هذين النهجين وقواهما. غير أن ما يتوجب قوله هو أن الانتخابات عنصر حسم في الدول المستقلة تحديداً وذات السيادة. ليس هذا هو الوضع الفلسطيني. وموجبات التحرر الوطني، إذ لا تلغي مفاعيل الانتخابات، فإنها تفرض موجبات أخرى. ويعني ذلك أن الفلسطينيين مضطرون في مرحلة ما بعد إعادة الانتشار في غزة وصولاً إلى تحرير أرضهم، إلى إيجاد نقطة التوازن الدقيقة المانعة لأي اقتتال والحاضنة للبرنامج الوطني وأساليب النضال المتنوعة الخادمة له.

مصادر
السفير (لبنان)