«هنيئاً لنا غزة وعقبال الضفة»... شارون لم يقرر اقتلاع المستوطنين من القطاع، بعدما أمضى حياته يشجعهم على نهب الأرض، إلا لأن دولته المسلحة والوحشية والمحمية أميركياً واجهت أخيراً المأزق. وهذا المأزق جاءت به الانتفاضة الفلسطينية، بكل ما لها وما عليها، وبكل التضحيات التي قدمها الشعب الذي لم تستطع اسرائيل أن تشطبه أو تلغيه كما حلم بعض حكامها. وعندما كان شارون يحلم كان لا يرى سوى الاردن وطناً بديلاً، ولم يكن يرى ازالة لمستوطنات أقيمت بوحي «رباني» وبفعل «فريضة دينية»، أما الآن فقد عاد شارون وأشباهه الى أرض الواقع ليجدوا ان لا سبيل أمامهم سوى ارسال جنودهم لاخراج المستوطنين من الوهم الذي عاشوا فيه. لكنهم لن يخرجوا، كما ان شارون لم يتغير ولن يتغير. كل ما في الأمر أنه يتجمل لكي يحسن الاحتيال، فيعيد الى الفلسطينيين أرضاً ليتمكن من سرقة أرض في مكان آخر، في الضفة تحديداً، طامعاً هذه المرة بأن تكون سرقته مغطاة بـ «شرعية دولية».

ما يحصل في هذه الأيام لم نشهده مع تنفيذ اتفاق أوسلو وما سمي نقل السلطة الى الفلسطينيين. ففي ظل «أوسلو» استمر الاستيطان بل تضاعف. وعلى رغم ان «السلام» كان عنوان تلك المرحلة فإن حكومة اسرائيل كانت تكافح السلام الذي اضطرت له بمزيد من الاحتلال. وللمرة الأولى في تاريخها تقدم اسرائيل بالانسحاب من غزة على خطوة تنطوي فعلاً على ازالة احتلال، لأن الاحتلال هو الاستيطان، يحميه ويحتمي به. وبذلك يكون شارون اهتدى الى ما لم يهتد اليه اسحق رابين نفسه الذي قيل الكثير في اقباله على «سلام الشجعان». فرابين فتح مرحلة التفاوض والعلاقة مع الفلسطينيين لكنه حافظ على سياسة الاستيطان ناشطة ومتوسعة، أما شارون فقطع العلاقة مع الفلسطينيين وتخلى عن مشاريع السلام واستغنى عن التفاوض لمصلحة الإملاء وقطع مع الاستيطان «غير المفيد» ليدعم الاستيطان «المفيد».

لم يكن التفاوض، بل انه لا يزال، سوى مجرد منافسة في الخبث والخداع. كان «أوسلو» نصاً مفخخاً يعطي الفلسطينيين أقل بكثير من طموحاتهم، ومع ذلك استحق عليه رابين ان يقتل ليأتي بنيامين نتانياهو فيقزم «اوسلو» ويعطبه ويبالغ في انتهاكه الى حد اضطرار الناخبين الى خلعه لمصلحة ايهود باراك الذي استخدم كل غبائه لتضييع كل شيء، الى أن خلعه شارون بدوره مستفيداً من أخطاء جميع من سبقه فأطاح «أوسلو» تماماً وقوّض السلطة الفلسطينية وأجهزتها ليتمكن من تهميشها نهائياً وادارة الأزمة وكأن تلك السلطة غير موجودة أصلاً واذا وجدت فلتتلقى أوامره. لا حديث عنده عن السلام، ولا عن التفاوض، ولا حتى عن تنسيق محترم. وكل ما يستطيعه الفلسطينيون هو أن يتفرجوا على شارون وهو يعيد خلط أوراق الاحتلال وقولبته.

على رغم كل شيء - القرار الأحادي الجانب، عدم التنسيق مع الفلسطينيين الا في الحد الادنى، خطة توسيع الاستيطان في الضفة... - ينبغي عدم الاستهانة بهذا الانسحاب من قطاع غزة، لأنه قسري وان بدا اختيارياً، ولأنه كسر «قدسية» الاستيطان وان وعد بالمزيد منه، ولأنه كرّس فكرة عدم تحمل الاحتلال عندما يصبح عبئاً، ولأنه أكد حقيقة ضمنية هي ان اسرائيل في بحث دائم عن شرعية وهذه الشرعية لن تدرك الا بإزالة الاحتلال، ولو لم تكن هناك مقاومة لهذا الاحتلال لما وجد أصحابه ما يوجب عليهم استنباط الحيل لمحاولة تجميله سواء بجدار برليني عنصري أو بـ «خطة انفصال» مكشوفة المرامي.

خلال أيام، بل منذ الآن، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام لحظة الحقيقة، ولا بد له من تأكيد التزامه بأن الانسحاب من غزة مقدمة أو خطوة أولى نحو الحل النهائي. كانت الهيئة الرباعية الدولية أهملت عمداً، وبإيعاز واصرار اميركيين، التفكير في اليوم التالي للانسحاب من غزة. وقيل ان الأهم والمهم ان يتم هذا الانسحاب وان لا يعود شارون عن التزامه، فماذا ستفعل الآن بالخطط والنيات التي يعلنها شارون لما يريده في الضفة؟ وكيف ستتعامل واشنطن مع المرحلة المقبلة، بـ «خريطة الطريق» الدولية أم بـ «خريطة» شارون، وكيف ستبرهن للفلسطينيين والعرب والعالم أنها لم تمنح اسرائيل أرضاً احتلتها بالقوة ولم تبع حقوق شعب تحت الاحتلال. فإذا كان الرئيس الاميركي لا يزال يعتقد بما يقوله عن «دولتين» فلا بد له من الامتناع عن أي «وعد بلفوري» يحول عملياً دون نشوء الدولة الفلسطينية. السلام لا يقام بحلول مسمومة.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)