حسناً فعلت القيادة السودانية خلال العامين المنصرمين، عندما قلبت سياساتها رأسا على عقب، وقررت الانتقال من مواجهة الشعب في الجنوب والشمال والشرق والغرب إلى مصالحته والتفاهم معه ومع القوى التي تمثله وتقاتل باسمه.

وكانت حكومة البشير قد أسمت نفسها حكومة الإنقاذ، لأنها أرادت إنقاذ النظام السوداني بالقوة، عن طريق قهر المعارضة المسلحة وسحقها والقضاء على أي مظهر من مظاهرها، وفرض حكم “عربي /إسلامي” على بقية مواطني السودان، الذين اتهمتهم بالخيانة والتعامل مع الأجنبي، وبالرغبة في تفتيت البلاد والقضاء على وحدتها، وتسليمها للأجانب. لكن حكومة الإنقاذ، التي عجزت عن إنقاذ الوطن بالقوة، بدأت تحقق نجاحاً جدياً ومدهشاً عن طريق إنقاذه بالحوار والتفاهم والتوافق، أي عبر الرغبة في تلبية مطالب مواطنيها العادلة، والبحث عن مشتركات وجوامع معهم، تنقل الأزمة السودانية العامة والمزمنة من صعيد عدائي صرف إلى صعيد تصالحي، يبدل طبيعتها ويتيح حلها بالتي هي أحسن: بتنازلات متبادلة لا تترك مكاناً لغالب ومغلوب، وتضع حداً لذلك الإطار المسموم الذي يجعل الآخر عدواً لا بد من قتله وإبادته، بحجة أنه عميل لجهة معادية، لا حياة للوطن إلا بقتله.

وكان السودان قد جرّب الحل العسكري طيلة ربع القرن الماضي، مع أن قياداته كانت تعرف بحق أنه لن يحقق أي نجاح، لسبب بسيط هو عجز عرب السودان عن إخضاع بقية أقوامه وشعوبه بالقوة، نظراً لقلة عددهم، ولاتساع مساحة بلادهم، ولعدالة مطالب بقية أبناء شعبهم، المهملين والمضطهدين الذين لم يعترف السودان العربي بحقوقهم، أو يقر بأنهم أنداد لأبنائه ومتساوون معهم في الحقوق، وأن مطالبهم ليست موجهة بالضرورة ضد وحدة السودان، وليست جزءاً من برنامج الأجانب الساعين إلى تفكيكه.

وقد كان أمراً غريباً أن يصر قادة السودان على اتهام بقية أبنائه في وطنيتهم، وينكروا عدالة مطالبهم، حتى بعد أن انضم عدد كبير من خيرة العرب والمسلمين إلى “جيش تحرير السودان”، وأعلن قادة هذا الجيش أنهم يقاتلون من أجل الوحدة لا الانفصال، ويحاربون التمييز والظلم، وسيلقون السلاح بعد تحقيق مطالبهم، أي بعد إقامة سودان ديموقراطي يعيش فيه مواطنون متآخون سيكونون شعباً يحكمه القانون ويستظل بالعدالة والمساواة.

لم يترك حكام السودان الإنقاذ بالقوة ويتحولوا إلى الإنقاذ بالقانون والعدالة والديموقراطية إلا بعد أن فشلت خططهم الحربية، ووصلوا إلى وضع فقدوا معه جزءاً كبيراً من الجنوب والشرق والغرب، وصار جلياً أنهم لن يستطيعوا مواصلة قتال أغلبية مواطنيهم، ولن يتمكنوا من التنعم بالنفط وعائداته، بسبب قرب سقوط آباره بيد القوات والميليشيات المعادية لهم، وأن بقاء السودان لم يعد رهنا بالغلبة بل بالحكمة، وبالسلاح بل بالسلام، وبالقتال في الميدان بل بالحديث على طاولة المفاوضات.

ولعل اعتراف الرئيس عمر البشير، قائد الإنقاذ، يفسر خلفيات ما يجري، فقد أقر بأن عدد عرب السودان لا يتجاوز 39 % من إجمالي سكانه، وأن نتائج القتال ستكون مأساوية بالنسبة إليهم، وقد يهزمون في نهاية الأمر، لأنهم سيجدون أنفسهم مجبرين على القتال في أكثر من جبهة وضد أغلبية بشرية كبيرة، ولفترة يستحيل عليهم تحملها، لأنها ستكون طويلة جداً.

وإذن، آمن القادة السودانيون أن لا حل بغير التفاهم وتقديم تنازلات إلى الأطراف الأخرى، على أن تنضوي في إطار وطنية سودانية جديدة، سيبلورها الحوار معهم وستعززها تلبية مطالبهم، لأن تلبيتها لن تتم بالضرورة على حساب العرب، ويمكن أن تضع هؤلاء في حاضنة جديدة تعيد إنتاج دورهم، فتجدده وتوسعه وتجعله قيادياً ومقبولاً من الجميع.

وضع السودانيون السلاح جانباً، وجعلوا العقل والتوافق والحوار سلاحهم الجديد الذي أخذوا يشقون به طريقهم المشترك، وسط حطام بلدهم الذي دمرته الحروب والأحقاد والأحكام المسبقة، ويراد اليوم بناؤه بالسلام والمحبة والأيدي الممدودة والقلوب المفتوحة، مقدمين بذلك مثلا يحتذى لبقية حكومات العرب. التي لشد ما أخذت بالعنف سبيلاً إلى ضبط أوضاع بلدانها، وتجد نفسها اليوم في نهاية طريقه، مثقلة بكره مواطنيها الراغبين في التخلص منها بأي ثمن، فلا يبقى لها من خيار غير مصالحتهم والبحث عن توافق يجمعها إليهم سبيله حوار هو طريق نجاتها ونجاتهم: نجاتها من غضبهم الذي يصير متفجراً أكثر فأكثر، ونجاتهم من حماقاتها، التي غدت قاتلة أكثر فأكثر.

يتحدى نموذج السودان طرق العنف والقسر والحماقة، التي كان قد أغرق نفسه فيها طيلة نيف وخمسين عاماً. ويتحدى معظم السياسات العربية الراهنة التي تصر على اتهام من يخالفونها الرأي أو يطالبونها بحق ما بالعمالة للأجنبي وبالرغبة في تدمير الوطن، وتستخدم العنف المفرط معهم باعتباره وسيلة وحيدة يمكن من خلالها التعامل الناجع معهم. وما دام نموذج السودان قد نجح، رغم أنه عالج حالة مستعصية وصعبة جداً من الحرب الأهلية والعنف الأعمى، فإن شيئاً لن يمنع نجاحه في معالجة أوضاع عربية قمعية، لم تبلغ مرحلة الحرب الأهلية بعد، وإن كانت ستتجه من الآن فصاعدا بقوة نحوها، إن واصلت الطبقة الحاكمة العربية تجاهل مطالب مجتمعاتها، وواصلت العمل على تهدئتها بالعنف وعلى إخضاعها بالقوة.

شق السودان طريقاً جديدة أمام عرب اليوم، فيه أمنهم وسلامهم وحمايتهم من التدخل الأجنبي والضغط الخارجي، وفيه كذلك وحدة مواطنيهم ومساواتهم وعيشهم المشترك والآمن. فهل تتبعه بقية نظم العرب؟ أم تواصل طريقها نحو الهاوية، مع أن أوضاعها ليست أسوأ من أوضاعه، وحل مشكلاتها ليس أكثر صعوبة من حل مشكلاته!

هل نتعلم من السودان فنخرج من الاحتجاز الراهن؟ أم نتجاهل ما يحققه على طريق المصالحة الوطنية والعقلانية السياسية، فنبقى حيث نحن: أسرى أزمات تجعلنا ضعفاء وعاجزين ومهزومين؟

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)