مع اقتراب انطلاق ساعة الصفر وتواصل التدريبات الإسرائيلية وحشد المزيد من التعزيزات العسكرية للبدء بعملية إجلاء المستوطنين من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، أكدت مصادر إسرائيلية اليوم أن تصرف حركة حماس في قطاع غزة بعد عملية الانسحاب سيكون له أثرا كبيرا على الوضع الإسرائيلي الداخلي، حيث أن هذا الأمر سيجعلها تقرر من الذي سيقود إسرائيل في الأيام القادمة، وهكذا ترى صحيفة "معاريف" الإسرائيلية التي تقول أن احتمالات نجاح نتانياهو في منافسته شارون في الانتخابات القادمة متعلقة بتصرف حماس والفلسطينيين بعد الانفصال.

وفي نفس السياق كتب المحلل السياسي الإسرائيلي ابراهام تيروش حيث يتساءل في مقال له: "هل سيرد ما فعله نتانياهو من استقالة ومعارضة لخطة "فك الارتباط" نفعا في منافسته المرتقبة لشارون؟ الأمر يتعلق بالفلسطينيين، أو بكلمات أكثر صراحة: حماس من سيقرر. ويضيف المحلل السياسي يبدو الأمر فظيعا، لكن الأمر على هذا النحو تماما، فإذا ما حقق الفلسطينيون بعد الانفصال رؤيا رعب نتانياهو (وليس يعني الأمر، والعياذ بالله، انه يريد ذلك)، وزاد المقاومة وسقطت صواريخ القسام والقذائف والصواريخ على اختلافها على مستوطنات الجنوب، حتى عسقلان وأسدود - فان احتمالاته ستتحسن، وإذا ما جاز الانفصال جوازا سهلا، فانه سيرى شارون من الوراء فقط، كما رأى موسى الله، مع الفرق، وربما لا يراه من الوراء فقط بل من حزب آخر أيضا.

وتقول صحيفة "معاريف": يجوز لوزير المالية أن يكذب، فهذه مواضعة قديمة جدا، حتى منذ أيام الاقتطاعات غير البهيجة، من الواجب عليه أحيانا أن يفعل ذلك، لأن كلمة منه تستطيع أن تُسقط اقتصادا كاملا، لكنه لا يجب على أحد أن يصدقه. إذا فقد كذب نتانياهو، حتى اللحظة الأخيرة حقا، ووعد بأنه لا ينوي الاستقالة من الحكومة، ويصعب نقده لذلك، لكن الأحمق من صدقه.

نتانياهو ولعبة الاستقالة

ويقول المحلل تيروش استقالة نتانياهو كانت معروفة سلفا، لم يكن لديه خيار سوى الاستقالة، وقد عرف شارون أيضا أن هذا قادم، وإن كان التوقيت قد فاجأه قليلا، ويضيف تيروش: لأنه منذ اللحظة التي لم يكتفِ بها نتانياهو بالتعبير عن معارضة خطة الانفصال، بل قال أيضا بصراحة انه سينافس شارون على قيادة الليكود وعلى الترشح لرئاسة الحكومة في الدورة القريبة، غدا واضحا أنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يكون داخل الحكومة، إلى جانب شارون، في اللحظة التي يبدأ فيها إخلاء المستوطنات. ويتابع تيروش قائلا: "يستطيع وزراء آخرون يعارضون الانفصال ويصوتون ضده في الحكومة - أن يبقوا فيها، وأُخاطر بتقديري أنهم سيبقون أيضا؛ فمن ينوِ منافسة رئيس الحكومة وهو يحمل معجزة المعارضة للإجراء الكارثي، في رأيه، الذي ينفذه شارون فانه ليس يستطيع.

وتقول صحيفة "معاريف" في الحفل الصحفي بعد استقالته، جرّ نتانياهو، بادعاء لا يستهان به، أباه المؤرخ والتاريخ كله إلى خطبته، فسيسأل، كما هو متيقن، أين كان هو، بيبي في يوم الإخلاء الفظيع. سنقول. لكنه يعلم جيدا، أن الناخبين في الانتخابات التمهيدية لليكود سيسألون عن ذلك قبل المؤرخين بكثير - أولئك الناخبين الذين يعارضون الانفصال ويعارضون شارون، والذين يعتمد نتانياهو عليهم في منافسته رئيس الحكومة، لو كان بقي في الحكومة، لكان حمل تبعة الانفصال مثل الوزراء الذين يؤيدونه، وكيف كان سيستطيع بعد ذلك ان يطلب في الانتخابات التمهيدية تأييد معارضيه؟ ومن غيرهم، فانه لا يملك أي احتمال حيال شارون.

الهدف احتلال الليكود

ولكن المحلل السياسي الإسرائيلي تيروش يشير إلى أنه في الأجمال قام نتانياهو بخطوة صحيحة، انه يتصرف بعقل أيضا، عندما لا يجري من فوره ليخطب من فوق كل شرفة في الاجتماعات الحافلة لليمين، وليحتل في عاصفة قيادة اليمين كله، فالهدف هو قبل كل شيء احتلال الليكود، لكن ناقديه لا يدعونه وشأنه، ويمضي المحلل تيروش قائلا: ففي الماضي نقدوه لأنه لا يستقيل ويتمسك بكرسيه بالرغم من معارضته الانفصال، ومن قبل رئيس الحكومة أيضا لم يُفوتوا أي فرصة لعيبه، لأنه يجلس في الداخل ويعمل في الخارج ضد الحكومة. الآن، ينقدونه لأنه استقال، ليس الأمر عادلا.

وتشير صحيفة "معاريف" أن ناقدوه من اليمين يزعمون بأنه قام بهذه الخطوة متأخرا جدا، فلو بادر إلى الاستقالة، كما يقولون، لكان جرّ وراءه وزراء آخرين وتسبب بتعويق الانفصال، وتضيف قائلة: "هراء حتى لو كان استقال قبل نصف سنة، لما كان وقف الأجراء بذلك، وتتابع: "لم يكن أي وزير آخر لينضم إليه. ويحاول المحلل السياسي الإسرائيلي تيروش إعادة الصورة إلى الوزراء متسائلا: "أتذكرون كيف حدث في تشرين الأول الماضي، بعد أن أبرزوا عضلاتهم معا قبل التصويت في الكنيست على الانفصال، كيف تركه زملاؤه الوزراء "المتمردون" في النهاية وحده، وذيله بين رجليه، مع إنذار شارون في شأن أجراء استفتاء للشعب؟ ولو كان استقال بعضهم معه آنذاك أيضا، فان ذلك لم يكن ليصرف رئيس الحكومة عن خطته شيئا ما.

سداد سلطوي..!!

ويوضح المحلل تيروش أنه يُصدق نتانياهو في أن معارضته الانفصال هي إيديولوجية موضوعية قبل كل شيء، بالرغم من انه من الواضح أن إجراءات التي قام بها على أساس هذه المعارضة، توجهها حسابات سياسية أيضا، يجوز له، كما يجوز لكل سياسي آخر، على أي حال، استقالته خطوة سوية من ناحية السداد السلطوي ومن ناحية أخلاقية. الأكاذيب البيضاء التي أطلقها حولها مقبولة، وتوقيتها أيضا مفهوم. لقد أراد إلى أن يستنفد منصب وزير المالية إلى اللحظة الأخيرة الممكنة من جهته - اللحظة التي تسبق بدء الإخلاء.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)