حاولت الحكومة اليهودية في الشهر الماضي تسويق نفسها للعالم على أنها حمامة السلام في الشرق الأوسط لأنها ستترك قطاع غزة للفلسطينيين يقيمون فيه امبراطوريتهم المقبلة. و ابتزّ الإرهابي شارون مشاعر العالم من على منبر الأمم المتحدة في نيويوروك بقوله إن تقدم السلام في المنطقة الآن مرهون بيد الفلسطينيين بعد انسحاب اليهود من غزة.

كما سوقت قنوات الإعلام الصهيونية و المتصهينة و أذنابها مظاهر إخلاء القطاع و كأنه هولوكوست آخر عاشه اليهود و هم شعب الله "المختار المسكين المضطهد" الذي تنازل عن كنسه و منازله و ثرواته في ذلك الشريط الجغرافي، غزّة.

إلاّ أنّ من لا يعرف اليهود حق المعرفة، و من يتجنب الجهر بحقيقتهم، و من يسوق ما يملونه عليه لتستمر الأرزاق بالهطول عليه و يبقى صامداً في إقطاعيته قد يحتارون الآن في تحليل ما يجري و كيف يمكن لهم أن يشرحوا لشعوبهم في الخليج و شرق الأردن و ضفاف النيل و مغرب الشمس و حتى بلاد السند، السلوكية اليهودية و مرتكزاتها و قواعدها التي تحكم قرارات اليهودي تجاه غيره من الأقوام "الغوييم". لكل هؤلاء المرتهنين لغير إراداتهم و إرادات شعوبهم، و لكل الشعوب المغرر بها و التي بدأت، أو صارت، تفهم وجود اليهود في سوريا الطبيعية و على الأخصّ في جنوبها، فلسطين، على أنهم في وطنهم التاريخي، و أنهم الديموقراطية الأكمل و الوحيدة في المنطقة، و أنهم من يتلقون الضربات ممن يحيط بهم من متوحشين و دمويين و إرهابيين، نقول: لن نطيل في التقديم و التفلسف و عرض الخلفيات التاريخية من ثم النتائج السياسية لها و ما إليه، إنّما ندعوكم فقط للتأمل في سلوكية اليهود في فلسطين في الشهر الأخير المنصرم و حتى هذه الأيام... فبينما كانت عصابات اليهود المستوطنين تخلي غزّة كانت تتجه غيرها إلى أماكن جديدة في الضفة الغربية للأردن بقرار حكومي! و بينما كانت تخلي معابدها اليهودية من غزة، كانت تحاصر الأقصى و تدمر مساجد و تستولي على أوقاف كنسية في مناطق أخرى من فلسطين! و بينما كانت عصابات المستوطنين تخلي منازلها التي بنتها في غزة، كانت قوات جيش الاحتلال اليهودي تدمر عشرات المنازل في القطاع نفسه و مناطق أخرى من فلسطين للفلسطينيين!

المثير للسخرية و لقلب المفاهيم و لبلورة الآراء السليمة أن المشكلة التي حصلت في غزة أثناء استعراض عسكري لأحد فصائل المقاومة -ضمن أرضه- لتمجيد الانتصار الصغير الحاصل مؤخراً، و بعد تعرضه لاعتداء (...) نفى مسؤولون كبار في الحكومة اليهودية علاقتهم به و أكّدوا أنهم لن يقوموا بأي تصرف تجاه القطاع لأنهم خرجوا منه و تركوه لأصحابه و لا يريدون العودة إليه... هذا ما قاله رئيس أركان جيش الاحتلال و وزراء كثر في الحكومة اليهودية، فما بالهم اليوم في المجلس الوزاري المصغر يقررون توجيه ضربات "وقائية" ضد غزة و يقتلون كثيراً من الآمنين في منازلهم و يغتالون و يقصفون و يغيرون بالعتاد الأمريكي الفاخر على غزة؟ أليس ما يحدث اليوم بدليلٍ قاطعٍ على أن السلوكية اليهودية ترفض السلام؟ أما تبرهن الوقائع الحالية (و اتفقنا مسبقاً ألاّ نفتح كتب الماضي) على أن من يصدّق اليهود سيندم؟

لا يمكن، حسب مرتكزات التربية اليهودية، أن يقوم سلامٌ بين اليهود و شعوب المنطقة. المشكلة ليست في شعوب المنطقة، لأنها استقبلت الكثير من الهجرات التي اندمجت في دورتها الحياتية فأغنتها و لوّنتها بلونها قليلاً، لا، المشكلة في النفسية اليهودية -الفردية و الجماعية- الانعزالية التي تأبى إلاّ أن تسخّر باقي الشعوب كعجماوات "غوييم" لمصلحتها.

من هنا، نفتح عيون الكثيرين الذين زاغت أبصارهم عن حقيقة الصراع في المنطقة وجوهره. ليس الصراع بين اليهود و شعوب المنطقة مبنيٌّ على أمتارٍ من الأرض أو أسواقٍ مفتوحةٍ أو سفاراتٍ زاهرة. إنّ صراعنا مع اليهود صراع وجود إذ ليس لنا من عدوٍ يقاتلنا في ديننا وحقنا ووطننا إلاّ اليهود.