في الحقيقة ان فرنسا تركت الجزائر قبل ما يزيد على اربعين سنة، لكن الجزائر لم تترك فرنسا قط. إن الفرح لما تمر به فرنسا، التي هاجمت ساسة ومحللين في اسرائيل، ليس في محله.

في الحقيقة ان فرنسا الرسمية انتهجت، منذ حرب الايام الستة حتى التغيير الايجابي الذي طرأ مؤخرا، سياسة معادية لاسرائيل مشايعة للعرب وللفلسطينيين تثير الغضب، وتسببت بضرر متواصل لاسرائيل، ولكن لا يجوز لنا أن نرد لها بالعملة نفسها، في حين أن ضيقا كبيرا يلّم بها، وهو معروف سلفا.

اسرائيل خصوصاً، التي تعرف المعاناة الكبيرة التي سببها لها الارهاب الاسلامي الفلسطيني المتطرف، يجب عليها أن تكشف نحو فرنسا عن أقصى درجات التعاطف، في حين يهب العنف الاسلامي المتطرف ليشعل النار فيها.

ذوو الاحتكار، السياسيون ومجرد الجهلة يعملون منذ عشرات السنين في غسل الأدمغة في اسرائيل، وكأن عليها أن تتصرف كما تصرفت فرنسا في الجزائر، وأن تنسحب من جميع "المناطق"، وعندها ستعيش بسلام. شُعل النار في أنحاء فرنسا أضاءت بضوء غامر عمق هذا الغباء. منحت فرنسا الجزائريين وسائر المسلمين من شمال افريقيا مواطنة كاملة، وهم الذين تدفقوا اليها بالملايين بعد أن تخلصت آنذاك من مستعمراتها. فتحت فرنسا أمامهم أبواب ثقافتها، ومصادر رفاهتها والمدفوعات العظيمة من التأمين الوطني للعائلات الكثيرة الأولاد. لكن هذا لا يكفي المسلمين، الذين يشكلون الآن كما يبدو أكثر من عُشر سكان فرنسا. في الأساس، منذ أن بدأت في السنين الأخيرة تحريضات الخطباء المسلمين في المساجد الكثيرة التي نجمت في أنحاء فرنسا. مثل العرب الاسرائيليين المتطرفين، الذين يُعللون لأحداث الشغب في تشرين الاول 2000 بـ"الظلم، التمييز والتمييز العنصري" - كذلك المشاغبون المسلمون والناطقون عنهم يُفسرون شغبهم بـ"انعدام العمل"، و"عدم اعطاء فرص متساوية". لكن سلطات الأمن الفرنسية تعرف منذ زمن، أن عددا من ضواحي باريس قد أصبحت ملاجئ للاسلام المتطرف، وقد كان أفراد شرطة فرنسيون على حذر ألا يدخلوا الى هناك. كان هناك من أطلق على هذه الضواحي اسمي خان يونس وجنين باريس. في نظرة الى الوراء، نرى الآن الى أي حد كان رئيس الحكومة السابق اهود براك، ووزير الشرطة آنذاك، شلومو بن عامي، على حق، وهما اللذان أمرا باستعمال القوة كلها ضد ذلك الارهاب في الجليل وفي وادي عارة - ولولا ذلك لكان يمكن أن ينتشر في جميع اسرائيل. وفي الحقيقة أن ما لا يقوم به العقل، يقوم به الوقت. شُعل الانتفاضة الاولى في فرنسا جاءت في اللحظة الأخيرة، لتُوقظ من الأحلام لا الاسرائيليين الضالين والمضللين فقط، بل الفرنسيين الذين يدعون البرّ ايضا.

كما هو معلوم في كل موازنة بين اسرائيل وفرنسا حيال الاسلام المتطرف الارهابي، يجب الحفاظ على التناسب. فليس كل شيء متشابها. من بين الجملة، يريد الفلسطينيون هنا انسحاب اسرائيل حتى تلاشيها. وهناك، في فرنسا، يدعي "المهاجرون" الشراكة الاجتماعية - الاقتصادية - الثقافية. ولكن في الدولتين تحريض الاسلام المتطرف هو القوة المحركة الرئيسة للعنف. فتح اتفاق اوسلو اسرائيل أمام الموجات الارهابية الفلسطينية. السخاء الفرنسي، والطموح الى التمييز المقوّم والرغبة في مصالحة المهاجرين المسلمين، تُستغل الآن في الارهاب البلدي في فرنسا.

ما الذي تستطيع اسرائيل ان تقترحه على فرنسا في ساعتها الصعبة - هل هو انفصال، هل هو خريطة طريق، هل هو عمليات اغتيال مركزة، هل هو اشراف من الرباعية، أم كل ذلك معا؟ يحسن أن نكتفي، في هذه المرحلة، بنصيحة حميمة واحدة فقط، من مدرسة شارون وبوش: إن من يتنازل للارهاب الاسلامي الفاشي ويحاول مصالحته - سينتهي الى أن يجلب عليه حربا أشد.

مصادر
صدى البلد (لبنان)