عندما نفدت الذخيرة التقليدية من أعضاء معسكر شمعون بيريس في المعركة ضد عمير بيرتس، امتشقوا سلاح يوم القيامة: "تخيلوا عمير بيرتس جالساً في البيت الأبيض يجري محادثة مع الرئيس بوش بشأن خارطة الطريق" قالوا ضاحكين.

بعد الفوز الحلو المذاق، جاء دور اعضاء معسكر بيرتس ليسخروا. اذا اصبح بيرتس رئيساً للحكومة، كما يقولون، فانه سيطوي الخارطة ويوفر بدل السفر إلى واشنطن. فهو وعدهم أنه غداة دخوله مكتب رئيس الحكومة سيدعو رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن إلى مفاوضات مباشرة على التسوية الدائمة. لن يكون هناك المزيد من الانسحابات أحادية الجانب، سينتهي موسم الاملاءات، سيضع حداً لنزعة القوة، وسيقضي على اشتراط مسيرة السلام بـ "تفكيك البنى التحتية للارهاب".

المسابقة بين مذهب عمير بيرتس، في كل ما يتعلق بالموقف من العرب، وبين مذهب رئيس الحكومة ارييل شارون أكبر بما لا يقل من مسافة بين المذهب الاقتصادي لرئيس الهستدروت وبين مذهب بنيامين نتنياهو، الخصم الرئيس لشارون في صراعه على قيادة الليكود. شارون يؤمن بأن الفلسطينيين يرضعون كراهية اسرائيل مع حليب أمهم وأنهم لن يهدأوا ولن يرتاحوا قبل تصفية دولة اسرائيل. من هنا، لا قيمة لاتفاق سلام معهم ولا مفر من الحاق الهزيمة بالعدو بقوة الذراع، إلى ان يستجدوا أن يكف ويكتفوا بالقليل الذي يعرضه عليهم ـ بنتوستانات على نمط جنوب افريقيا محوطة بأسيجة ومرتبطة برحمة اسرائيل.

بيرتس بدأ حواره مع رجال منظمة التحرير الفلسطينية في قطاع غزة قبل أكثر من عشرين سنة، عندما كان رئيس المجلس المحلي لسديروت وعندما لم تكن اللقاءات مع الفلسطينيين موضة بل وحتى كانت خارج القانون. وبالمناسبة، فان عقيلته انهت قبل وقت غير بعيد دورة لمرشدي لقاءات بين عرب ويهود. عائلة بيرتس تؤمن بأن للجيران ما يكسبونه من السلام وما يخسرونه من خرقه، بمعنى، أن العرب عقلانيون ليس اقل من اليهود وأن العاطل عن العمل في مخيم جباليا للاجئين، مثل العاطل عن العمل في سديروت، سيؤيد القيادة والسياسة التي تعرض عليه مصدر الرزق وتؤمن التعليم لاطفاله وسيكافح ضد العناصر، من الخارج ومن الداخل، الذين يهددون بالمس بحياته وبرفاهيته. وهو يرى في السلام ليس مجرد قيمة بحد ذاتها، بل أيضاً شرطاً اساسياً للنمو ولتحسين وضع الفرد.

بيرتس يؤمن بأن حياة الانسان أهم بأضعاف من بضعة كيلومترات في شمال الضفة أو في هضبة الجولان. كل يوم اضافي في الاحتلال هو من ناحيته يوم آخر من افساد المُحتل (الذي يفرض الاحتلال) وأن ضرر المناطق المحتلة أكبر من منفعتها. ولو كان الأمر منوطاً به، فانه سيضع امام أبو مازن اقتراحاً لا يمكنه أن يرفضه، وسيستأنف المفاوضات مع سوريا من النقطة التي توقف عندها ايهود براك، عضو "الثمانية" التي أسسها يوسي بيلين، يتبنى بشكل مبدئي اتفاق جنيف: انسحاب إلى خطوط 1976، باستثناء كتل المستوطنات التي ستؤجر لاسرائيل لفترة طويلة (نموذج هونغ كونغ). وسيحصل الفلسطينيون على تعويض اقليمي، مالي أو ديبلوماسي. ومع ذلك ، فهو لا ينوي ان يعرض خارطته للضفة الغربية قبل أن يستوضح ما هو حجم تنازلاتهم.

ومع كل هذا، فان بيرتس بعيد عن أن يكون ساذجاً، فهو يفهم أن الجمهور يعشق الجدار الفاصل وهو مأسور بشعار "القدس الموحدة"، وقلق من حق العودة. وعليه، فهو سيكتفي بتعديل مسار الجدار، بشكل يقلص من المس بالحياة اليومية للفلسطينيين. وسيقترح للقدس حكماً ذاتياً دينياً من دون أن يقسم المدينة، كما سيقترح للاجئين الفلسطينيين حلاً خارج حدود اسرائيل، وعدداً محدوداً من تأشيرات الدخول على أساس لم شمل العائلات. وللمستوطنين سيقترح بأن تجري كل مستوطنة استفتاء لاعضائها واذا كانت الأغلبية تقرر الاخلاء، فان قانون الاخلاء ـ التعويض من القطاع سينطبق على كل السكان. وكذلك بالنسبة لادارة شؤون الأمن حيث توجد فجوة كبيرة بينه وبين شارون. خلافاً لشارون، فانه يعتقد ان على رئيس الحكومة أن يركز على بلورة السياسة العامة وليس على قطر القذيفة، أو على الحاجز والطوق.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)