خليل العسلي

ما تعرض له اليهود على يد النازيين الألمان أحدث تعاطفاً عالمياً مع كل ما هو يهودي الأمر الذي دفع بالكثير من الدول والهيئات الدولية إلى مساندة مطلب إقامة دولة يهودية ودعم هذه الدولة إلى أقصى الحدود.. وفي توثيق الروايات اليهودية التفصيلية بشأن ما تعرضوا له في المعسكرات النازية... أما ما قام به اليهود أنفسهم رداً على ما تعرضوا له فبقي طي الكتمان إلى أن كشفت قناة تلفزيونية إسرائيلية بعضاً من الروايات التي تسهب في الحديث عن انتقام اليهود ضد الألمان..

وفي الوقت الذي شنت فيه المنظمات اليهودية والاسرائيلية حملة بلا هوادة ضد تصريحات الرئيس الايراني احمدي نجاد، والتي قلل فيها من اهمية الكارثة، بل انه لم يعترف بما حل بالشعب اليهودي وشكك في الرقم الذي اصبح من اكثر الارقام حفظا في ذاكرة الشعوب من امريكا الشمالية وحتى افريقيا مروراً باوروبا والشرق الاوسط، الا وهو ستة ملايين يهودي، وهو الحصيلة الرسمية المعلنة لعدد الذين قتلوا على يد النازيين الالمان في الحرب العالمية الثانية، فقد انبرى الكثير من السياسيين وممثلي المنظمات العالمية وبالتحديد في اوروبا (لحساسية الموضوع وشعورهم بالذنب) لمهاجمة الرئيس الايراني بل سعت وتسعى حاليا لدى المحافل الدولية وبخاصة منظمات الامم المتحدة لفرض عقوبات على ايران بسبب المس باقدس المقدسات التي لا يجوز الحديث عنها، فكل من يمس بها يعتبر في عيون وقواميس الكثيرين معاديا للسامية، وهذه التهمة تؤدي بصاحبها الى الهاوية والأمثلة في العالم كثيرة..!! وفي الآونة الأخيرة انضم مرشد الاخوان المسلمين في مصر إلى حملة التشكيك بما قام به النازيون ضد اليهود، وقال بان الكارثة التي حلت باليهود هي "اسطورة"، وهو ما اعتبره مصدر في الخارجية الاسرائيلية يوم 23 كانون الأول، بمثابة "تطاول من دولة صديقة ويجب ان لا يمر بدون رد"!! وأضاف هذا المصدر بأن "خطورة هذا التصريحات تكمن في انها تعبير عما يشعر به الكثير من العرب وتفتح المجال لتصريحات مشابهة، ولا احد يعرف كيف يجب ان تنتهي. الرد اليهودي..

وفي هذا الوقت بالذات تبرز بين الفينة والأُخرى في اسرائيل بعض القصص هنا وهناك لتلقي الضوء على تلك الفترة التي صبغها اللون الأحمر ولم يعد يتحدث عنها احد سوى من منظار اسرائيلي. وآخر هذا القصص الفريدة من نوعها، ما بثته "القناة الثانية" في التلفزيون الاسرائيلي مساء الجمعة، 23 كانون الأول، حول ما عرف في اوساط الكثير من اليهود الالمان الناجين من المعسكرات النازية بـ"المنتقمين". فقد قام الصحفي يورام بينور بتسليط الاضواء على هذه المجموعة التي وضعت نصب اعينها قتل أكبر عدد ممكن من الالمان بغض النظر عن كونهم اطفالا او نساءا او رجال عادين. ويقول سيماح روتم والمعرف باسم "كاجاك" والذي تجاوز السبعين من العمر "ان الجميع التزم الصمت طول اكثر من ستين عاما، ولكن قررنا ان نتحدث فلم يعد امامنا الكثير من الوقت، وبسبب الحاح الاحفاد قررنا ان نكشف عن انفسنا امامهم عسى يكون ذلك عبرة لهم". وأضاف: "اننا مجموعة ممن تمكنوا من البقاء على قيد الحياة في معسكرات الموت الالمانية، وبالتالي فانه بحلول ربيع عام 1945 تحول كل شيء واصبح هدفنا قتل اكبر عدد ممكن من الالمان الذين كانوا يقومون بقتلنا"..

بينما تقول "فتكا" وهي تحمل بين يديها حفيدتها التي تجاوزت العامين: "في تلك الفترة كانت هناك مجموعة من اليهود الناجين الذين قاموا بزيارات سرية في منتصف الليل الى منازل الضباط والجنود الالمان واغتيالهم بدافع الانتقام، ولكن نحن فضلنا ان يكون انتقامنا أوسع وأكبر..."

وفي هذا الاطار قامت مجموعة "كاجاك" بتسميم الخبز في أحد المعسكرات الالمانية حيث وصلت عبوات مليئة بالسم "ارسنتاغ" والصمغ.. ويقول: "في 13 نيسان/ابريل عام 1946 قمنا بدهن اكثر من 3000 قالب خبز مخصص للجنود الالمان حيث توقعنا ان يتناول هذا الخبز اكثر من 13 الف شخص"..

ويضيف: "وبعد ذلك بساعات قليلة احضر الجيش الامريكي جميع سيارات الاسعاف التي كان يملكها من اجل اسعاف ما يزيد عن 2280 شخص تسمموا جراء تناول الخبز، وعمل الامريكان على اخفاء الموضوع عن وسائل الاعلام، وحتى هذه اللحظة لا يعرف احد عدد الجنود الالمان الذي ماتوا نتيجة هذا التسميم المقصود، رغم انه نشر في احدى الصحف الاميركية خبر عن وجود مرض غامض اصاب الجنود الالمان، ولكن أحداً لم يعرف سبب هذا المرض"، والذي يقول عنه "كاجاك" انه كان "نتيجة هذا العمل الوطني في الانتقام من الجلاد"..

ومضى يقول: "اننا حصلنا على كميات كبيرة من السم وقررنا توسيع حجم الانتقام ووصلنا الى مصادر المياة وكان بامكاننا تسميم تلك المياة الأمر الذي كان سيؤدي الى مقتل سكان مدن وقرى المانية كاملة، ولكن دار بيننا جدل حيث خشينا ان يشرب من هذه المياه الاميركان والاصدقاء.. هذا ما أزعجنا، ولم يكن يزعجنا اطلاقا ان يموت النساء والاطفال الالمان.. فقررنا الغاء تلك العملية".. السم من اسرائيل مباشرة..

بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بدأ الالاف من اليهود مغادرة المانيا مباشرة الى فلسطين لبناء دولة يهودية فيها بعد أن قالت الحركة الصهيونية أنها "ارض بلا شعب".. وقد استمرت مجموعة المنتقمين بالعمل بعد قيام إسرائيل عام 1948، حتى ان الرئيس الإسرائيلي حاييم فايتسمان اصدر اوامره بتصنيع السم بكميات كبيرة وارساله الى المانيا لتلك المجموعة حتى تستمر في عملية القتل الشاملة لكل ما هو الماني على اساس ان هذا الألماني هو نازي ...

عن هذه العمليات قالت "فتكا": "ان ما يسمى المؤسسات اليهودية التى بدأت إدارة شؤون الدولة اخذت تعيد النظر في عمليات الانتقام هذه وأخذت تتردد في الاستمرار فيها لأسباب سياسية ودولية.. وترأس هذا الحملة المعارضة ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء في إسرائيل)". وأضافت: "للاسف هذا التردد ادى الى الغاء تلك العملية التي كنا نعتبرها أكبر وأوسع عملية انتقام خاصة في منطقتي بيرنبرغ ورداخ الألمانيتين اللتين كانتا ستُمسَحان فيما لو نفذنا عملية الانتقام تلك".

وبعد ان أدلى بعضاً من هؤلاء برواياتهم بشأن مسيرة الانتقام ضد الالمان على خلفية ما جرى لهم في المعسكرات النازية، لم يظهر اي منهم الندم او تأنيب الضمير لما قاموا به، فهم لا يعرفون او لا يريدون ان يعرفوا عدد القتلى الالمان جراء عمليات التسميم الكبيرة التي قاموا بها على مدى سنوات طويلة..

هذا التقرير الذي بثته القناة الثانية يلقى الضوء على مرحلة يلفها الغموض نظراً لمحاولات التكتم التي احاطت بها خاصة وأن الكثيرين ممن كان لهم علاقة بها لا زالوا لا يرغبون الحديث عن تلك المرحلة فكل ما درجوا في الحديث عنه حتى الآن هو معاناتهم على يد النازيين.. غير أن ما كشفت عن المحطة التلفزيونية يؤكد أن المخفي اعظم.