يرى بعض المعلِّقين أنَّ الأستاذ وليد جنبلاط قد فقد عقله، ودليلهم على ذلك الأطروحات السياسيَّة التي يقدِّمها، من استدراج هجوم أميركي على سورية، إلى التهجُّم الشخصي على أمين عام جامعة الدول العربيَّة، وبعض الدول العربيَّة، وصولاً حتى إلى المقاومة اللبنانيَّة. نحن لا نشارك في هذا الرأي. لقد استمعنا إلى حديث الأستاذ جبنلاط الأخير لمحطََّة "المستقبل"، وواضح لنا أنَّ الرجل في كامل قواه الذهنيَّة والعقليَّة، وعلى قدر كبير من الذكاء. إنَّ التصريحات التي يدلي بها ليست "هلوسة" بل هي نتيجة موقف سياسي واضح لا لبس فيه. ولا نعتقد أنَّ "الثأر" من سورية زعمًا منه أنَّها قتلت والده المرحوم كمال جنبلاط، هو عامل أساس في موقفه. فالرجل قد خطب ودَّ السوريين منذ ذلك التاريخ، ومدحهم، وضرب بسيفهم أخصامه من اللبنانيِّين. أمَّا عهد "الوصاية السوريَّة" الذي يشكو منه اليوم، فقد كان هو أكثر المستفيدين منه مالاً ونفوذًا وقوَّة وعدد نوَّاب. لا ليس الموضوع موضوع ثأر! وإن كان عاملاً مساعدًا لاستدرار العطف والتفهُّم. الموضوع في رأينا أبعد من هذا.

لعلَّ الأستاذ جنبلاط يملك أفضل حدس سياسي لالتقاط إشارات المتغيِّرات بين جميع الساسة اللبنانيِّين وحتَّى السوريِّين. إنَّه يستشعر العواصف عن بعد قبل أن ترصدها مراكز الاستشعار فيهيِّئ لكلِّ عاصفة عدَّتها بحيث أنَّ نزوله عن ظهر موجة وامتطاءه أختها يحدث في شكل تلقائي وطبيعي. إنَّنا نستنج من مقابلة الأستاذ جنبلاط واستنادًا إلى ما قاله فيها أنَّه قرأ المتغيِّرات السوريَّة منذ ما قبل وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، وتحديدًا عندما استلم بشَّار الأسد ملفَّ لبنان. ثمَّ قرأها أيضًا بعد وفاة الرئيس الأسد واستلام ابنه مقاليد الحكم. ثمَّ قرأ تلك المتغيِّرات التي لا بدَّ من أن تنشب نتيجة أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لقد قرأ الأستاذ وليد، وقرَّر مع المأثور الشعبي: أن "كِلْ جْديدْ ولو رهجِه-(له رهجة) وكِلْ عْتيق ولو دفشهْ، (له دفشة)." فقرَّر أنَّ رهجة المشروع الأميركي القادم وفوائدها تفوق بكثير المشروع السوري البائد. فدفش دفشته.

لا ليس في الموضوع هلوسة على الإطلاق. إنَّها حسابات سياسيَّة باردة تريد الوصول إلى نتائج ساخنة. حديث الأستاذ جنبلاط كان سياسيًّا وواضحًا، أرسى فيه أساس مشروعه السياسي الجديد وعنوانه: "إسرائيل ليست عدوَّنا." أمَّا "هلَّق" – أي الآن - الاستدراكيَّة فضحك على الذقون. على هذا الأساس الجديد يبني الأستاذ وليد مواقفه فيصبح النظام السوري عدوَّه بدون استدراك من "هلَّق". ويعمل لتغيير النظام في سورية دونما تدخًّل مباشر منه حسب زعمه، بل "ينتظر المعارضة السوريَّة لكي تقوم بدورها!" الولاء للبنان أوَّلاً: لبنان 14 آذار وحكومة السنيورة حيث "المكان الوحيد للحوار." على المقاومة أن تنزع سلاحها. إمَّا لأنَّ مزارع شبعا لبنانيَّة، فتنسحب إسرائيل منها، وينتفي بالتالي دور سلاح المقاومة، أو لأنَّ مزارع شبعا ليست لبنانيَّة، وبالتالي فلماذا المقاومة!

باختصار شديد، لقد تقمَّص الأستاذ جنبلاط الدور الذي حاول بشير الجميِّل والجبهة اللبنانيَّة أن يلعباه قبل الحرب اللبنانية وإبَّانها، انطلاقًا من أنَّ "إسرائيل ليست عدوَّنا، بل السوري والفلسطيني هما عدوَّانا." استطرادًا إلى سؤال "لماذا المقاومة؟"، وإلى تشبيه أهلها بـ "الغرباء" عن طريق استعمال مقولة: "إنَّنا نرفض اتِّفاق قاهرة جديد."

إلى أي مدى يمكن للأستاذ وليد جنبلاط أن يذهب في موقفه الجديد؟ على المدى القصير، إلى أبعد الحدود. ففي لبنان، يشعر الأستاذ وليد أنَّه عرَّاب المَلَك، وأنَّه يملك ما افتقر إليه بشير الجميِّل لتنفيذ مشروعه. داخليًّا هو الأقوى في طائفته، ومعه حلفاء على نسب مختلفة من القوَّة في بعض الطوائف الأخرى. خارجيًّا هو فرس الرهان الحربي لكلٍّ من أمريكا وفرنسا، بمقدار ما هو الرئيس السنيورة فرس الرهان السياسي والمالي. هذا الشعور بالقوَّة هو الذي دفع الأستاذ جنبلاط لاختتام الحلقة التلفزيوينة حين أجاب عن السؤال عمَّّا إذا كان على استعداد للقاء السيِّد حسن نصر الله قائلاً بفوقية: "مجلس الوزراء هو المكان الوحيد للحوار."

بالطبع، لم تسأل الولايات المتَّحدة ولا فرنسا نفسيهما بعد السؤال التالي: "بمن سيحارب جنبلاط إذا وصلت الأمور إلى خواتيمها العسكريَّة؟" ليس هناك من قوى فلسطينيَّة أو وطنيَّة يستطيع الأستاذ جنبلاط خوض الحرب بوساطتها كما فعل والده، بل العكس. كما أن الكتلة المسيحيَّة الكبرى بقيادة الجنرال ميشال عون ترفض الحرب الأهليَّة، وتحذِّر منها ومن جنبلاط ومن جعجع. ونعتقد أنَّ لا السيِّد سعد الدين الحريري ولا كتلة المستقبل هما في وارد خوض حرب أهليَّة في لبنان لأنَّ ذلك يهدِّد كل ما بذل الرئيس المغدور رفيق الحريري زهرة عمره في بنائه. ونعتقد أيضًا أنَّ السيِّد جعجع ليس في وارد الدخول في حلف عسكري مع الأستاذ جنبلاط. إنَّ معرفة كلٍّ منهما بالآخر لا سيَّما بعد الدماء البريئة التي أراقاها في الجبل، لا بدَّ من أن تقيم حاجزًا من حذر بينهما.

هل أنَّ أبناء طائفة الموحِّدين على استعداد لخوض حرب كهذه؟ بعضهم على استعداد دائمًا لتنفيذ ما يقرِّره "البيك" كما وصف ذلك شاعر شعبي من منطقة جنبلاط نفسه في ثلاثينيَّات القرن الماضي: "وبعدو جناب البيك قطعة من السما بإسمو بينقسموا لو كحّل العينين بِمْياس العمى بيقدسوا إسمو" ولكنَّنا نجزم أنَّ بين عقَّال الطائفة وأبنائها من يرى خطر الجنوح الجنبلاطي على الطائفة نفسها، وعلى الوطن ككلٍّ، ولا يرضى به، ويعمل لكبح جماحه.

أمَّا على المدى البعيد، فإنَّنا نعتقد أنَّ السيِّد جنبلاط سوف يصل إلى الطريق المسدود نفسه الذي وصلت إليه "الجبهة اللبنانيَّة" من قبله، أي أنَّ قيام أقليَّة أو أكثر لمحاولة عزل لبنان عن محيطه الطبيعي والاستعاضة عنه بسلم منفرد مع إسرائيل مدعوم من الغرب هو مشروع فاشل. ليس لأنَّ ميزان القوى العسكريَّة الداخلي ليس لصالح الأقليَّات فحسب، بل لأنَّ مصلحة الإنسان الطبيعيَّة في لبنان كما في سورية هي مع أخيه على الطرف الآخر من الحدود وليس مع إسرائيل، بغض النظر عن الأجواء الراهنة.

إنَّ الضوء الأميركي الأخضر يبهر كلاًّ من الأستاذ جنبلاط والرئيس السنيورة إلى درجة لم يعودا معها يريان الأضواء العربيَّة الحمراء. إنَّ إصرارهما على نفي وجود المبادرة السعوديَّة، بل ومحاولة إفشالها لا يأتي من فراغ. إنَّه من إملاء أميركي يتجاهل المصالح العربيَّة لا سيَّما السعوديَّة، ومنها، عدم السماح بانهيار النظام السوري. ما يحسن بالأستاذ جنبلاط والرئيس السنيورة الالتفات إليه والتعلُّم منه هو أنَّ هامش القوى الغربيَّة في الاتِّكال على قوى محليَّة متحالفة معها– على المدى البعيد - أضيق بكثير من هامش القوى العربيَّة أو حتَّى الإقليميَّة المتعاونة مع قوى محليَّة أخرى في مواجهة القوى الغربيَّة. إنَّ الغرب يعاني من قصر نفس وضيق تنفُّس دائمين. أمَّا أبناء البلد فإنَّ صبرهم لا يحدُّ ونَفَسهم طويل جدًّا. في علم القانون، يُعفى فاقد عقله من تبعات جرمه. الأستاذ جنبلاط ليس بمجنون، ولن يملك هذه الذريعة.