ككل عام في فصل الصيف أخصص جزءاً من راتبي أجوراً لسيارات التكسي. باعتباري أصلع ولا أطيق الحرارة الشديدة. ولا أحبذ حمل شمسية أو اعتمار قبعة. بل أكتفي بوضع جريدة فوق رأسي كالمظلة منتظراً بعد نهاية الدوام أمام مقرّ الشركة التي أعمل بها إلى أن تسعفني سيارة أجرة عابرة.

وهكذا اعتدت الإياب إلى بيتي ظهيرة كل يوم بسيارة أجرة. مضحّياً بثلاثين ليرة ورزقي على الله...

ومنذ أيام وبينما كنت أترقب بلهفة أية سيارة صفراء تريحني من عذاب الصيف, وإذ بواحدةٍ منها تقف محاذاتي ويطلّ منها رجلٌ خمسيني يتصبب عرقاً وقد لفّ رقبته بمنشفة صغيرة. وسرعان ما انحنى على المقود ليراني بوضوح, ثم أومأ لي برأسه ويده يدعوني للركوب. فتحت الباب بسرعة وقذفت جسمي في المقعد الأمامي إلى جانبه. حييته وذكرتُ له عنوان بيتي. وكم كانت المفاجأة مدهشة, فقد أجاب بصوتٍ أبحّ: أباباآآبا... وبدأ يحرك أصابعه ويديه أمام فمه مشيراً إلى أنه أخرس! وأشار لي أن أسجّل العنوان على الجريدة...

قلت في نفسي هذا دليلٌ قاطع على أن الإعاقة لا تمنع الإنسان من العمل. سحبتُ قلمي من جيبي وكتبتُ العنوان على هامش الجريدة, وذيّلتها بملاحظة وجدتُ أنها جديرة بالتسجيل: (أقترح عليك يا سيدي أن تضع على التابلو قلماً ودفتراً صغيراً ليتم استخدامه من قبل الركاب, إذ ليس من الضروري أن يحمل كل راكب معه قلماً ومحبرة وممحاة...)

بعد أن قرأ السائق ما كتبته غرق في نوبةٍ من الضحك المتواصل حتى سالت الدموع من عينيه وطبطب على كتفي قائلاً:

- لا تؤاخذني يا بنيّ! مزحتُ معك ومثلتُ دور الأخرس, إنني ضجرٌ جداً وأكاد أحترق في ثيابي من شدة الحرارة... ولما لمحتك تنتظر سيارة, فرحتُ وشعرتُ فجأة أنني بأمسّ الحاجة إلى الضحك, إنه ترياق الحياة. فكان نصيبك أن تنال مني هذا المقلب...

ما كدت أستوعب الموقف منه حتى امتلكني الابتسام.. وأبديتُ له إعجابي بجرأته وطريقته في التسرّي عن نفسه وهنّأته على طرافته وعلى روح الدعابة التي يتحلّى بها.

وأقلعتْ السيارة بنا بعد أن شاع جوٌّ من الانتعاش والمرح فيما بيننا. لدرجة أنستنا فعلاً حرارة الصيف القائظ.

خلال الطريق بدأ يمطرني بوابلٍ من الأسئلة المتلاحقة, وكأنه مضى دهرٌ عليه لم يتحدث خلاله مع أحد؛ إذ ما إن ينتهي من سؤال حتى يعقبه بسؤالٍ آخر دون أن يترك لي فرصة إكمال جوابي! وكان آخر سؤال استطاع توجيهه إليّ بسبب اقترابي من البيت, سؤالاً سياسياً, فقد تطلّع إلى الجريدة التي أحملها وسألني: أستاذ ماذا تقول الصحف هذه الأيام؟

قلت في سرّي الآن جاء دوري لأعمل به مقلباً وأردّ له الصاع صاعين. فأجبته بعد تنهيدة وأنا أقلّب صفحات الجريدة: يا صاحبي هذه من صحف المعارضة وهي تتحدث عن السرعة السلحفاتية للنظام في مكافحة الفساد, وعن الإصلاح الناعس والديموقراطية المكبلة وما إلى ذلك... عقّب بامتعاض وبلهجة تبريرية هو نفسه غير مقتنع بها: إنه الحرس القديم يا أستاذ! هكذا يقولون...

قلت له وأنا ممعنٌ في محاصرته: لكن المؤتمر العاشر للحزب تخلّص مما كان يسمى الحرس القديم!

التفت ذات اليمين وذات الشمال ثم رمقني بنظرة ماكرة وقلّص إحدى عينيه, ورفع حاجب الأخرى وأجابني بنبرة الواثق وهو يضرب المقود براحة كفه: عليّ الحرام يا أستاذ! لا الحرس القديم ولا الجديد له علاقة بهذا التخبط الذي يعيشه بلدنا... أصلاً هذه الحجة لم تعد تنطلي على أ...

قاطعته محذراً مازحاً: هس..! خذ بالك يا حجّي! الشارع له آذان.. انظرْ! (وأشرتًُ بيدي) إلى جانبنا سيارة تراقبنا!

نظر إلى الجهة التي أشرتُ إليها وسرعان ما التفت صوبي وقد عبس فجأة وأجاب: أباباآآبا... وبدأ يشير بأصابعه وبصوته الأبحّ معرباً على أنه أخرس! وانفجرنا ضاحكين...