حدثُ غياب وزير الداخلية السوري، اللواء غازي كنعان، يطوي مرحلة أسرار طويلة، ويقفل على خزائنها، لكنه يفتح من طرف آخر، الأبواب على القراءة السياسية للحدث، بعيدا عن <<واقعه>> الأمني، الذي قد تجتهد في مضماره <<المخيلة>> العربية، التواقة أبدا الى افتراض المشاهد وإعادة تركيبها. سياسيا، قد يشير انتحار اللواء كنعان الى صراع أجنحة ضمن التشكيلة السياسية السورية الحاكمة، ذلك ان غياب الرئيس السوري الأسبق، حافظ الأسد، أفسح في المجال امام بروز هكذا قراءة، مثلما أتاح للكثيرين تناقلها. سياسيا ايضا، لا يمكن القفز فوق إقدام <<الوزير>> على الانتحار، الى تجاهل الربط بين الواقعة المأساوية وملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. مقتضيات المتابعة الموضوعية، تلزم المتابع بإجراء تمرين سياسي، يتمثل في وضع <<الحادث>> ضمن بنود السياق السياسي العام الذي يشغل الأوساط السورية واللبنانية، والذي يكاد يُختزل، بعنوان وحيد: <<الحقيقة>>... وهذه، مطلب صعب المنال وعالي الكلفة، أيا كانت حيثيات إعلان نتائجها.

ومع مسألتي <<صراع الأجنحة، وملف اغتيال الحريري>>، يمكن ان يتسع التحليل السياسي ليدمج البندين معا، فيحيل الأمر على خلاصة قوامها: تباين وجهات النظر، ضمن الفريق الحاكم السوري، حول اكثر من ملف، تتداخل فيه العوامل المحلية والاقليمية، وحول اكثر من قضية تتصل بدور سوريا في محيطها، وبسياساتها العراقية والفلسطينية واللبنانية، وبرؤية <<سوريا>> لأوضاعها في الداخل ايضا... الخ. لكن مهما تعددت أسانيد التحليل السياسي، وبغض النظر عن ملامسة بعضها للصواب الاجمالي او ابتعادها عنه... فإن انتحار اللواء كنعان، يتيح القول ان ثمة ضعفا قد تسلل الى القبضة الحاكمة السورية، وان ثمة ثغرات حقيقية، بدأت تعبر عن نفسها، وفي الأمرين <<اهتزاز>> ما لصورة النظام، وإيحاء ما، ببعض عوامل ضعفه. في هذا المضمار، ليس سهلا ان يقال مثلا، ان القدرة على التسوية بين أركان النظام قد تعذرت، لذلك طفت الخلافات على السطح، وبات الحديث عنها أمرا عاديا، في أوساط الجمهور.

كذلك ليس هينا، استعراض مدى الفراغ الذي تركه غياب الرئيس حافظ الاسد، وطرح السؤال بالتالي حول <<هوية الممسك>> او <<الممسكين>> بالقرار في سوريا... او بطبيعة الدوائر التي يتوزع عليها هذا <<القرار>>... عدم استسهال الامر في هذا الميدان، عائد الى دور <<تماسك النظام>> في صنع هيبته، والى قدرته على جعل هذه <<الهيبة>> قدرا سائدا، في اوساط التشكيلة الاجتماعية السورية، ومخيما عليها. على هذا الصعيد <<السلطوي>> من غير المقدر ان يمر غياب اللواء كنعان، من دون إثارة <<اسئلة ارتجاجية>>. في موازاة <<الاستنباط>> السياسي الآنف، من المفيد القاء ضوء سريع على المداخلة <<الدفاعية>> التي أدلى بها <<وزير الداخلية>> قبيل وقت قصير من إقدامه على وضع حد لحياته، <<بيده لا بيد عمرو>>. يمكن لمستمع <<عابر>> ان يستنتج ان <<اللهجة>> الواثقة التي تحدث بها اللواء كنعان، لا توحي بأنه كان في أجواء <<جنازته>>. إلا ان التدقيق في وضع <<الرجل>>، يتيح معاينة <<نبرته>> العالية من زاوية اخرى. ليس صعبا القول في هذا المجال، ان <<الوزير الراحل>> لم يكن بصدد تلاوة وصيته الاخيرة، بل إنه كان في موقف إعلان لائحته الاتهامية، ضد الذين <<حرضوه>> او أجبروه، او دفعوه، او أوصوا اليه بضرورة استعمال <<سلاح الانتحار>> الهجومي، الذي بادر الى استعماله. لقد كرر غازي كنعان تلاوة فعل إيمانه <<بوطنه وبنظامه>>، ولم يبدر عنه ما يشير الى مراجعة <<ندم>> حيال دوره في لبنان، ولم يلقِ اللوم او المسؤولية على أحد من محبذيه، او من مناوئيه في السياسة. وفي التحليل، على العكس من كل ذلك، قدم اللواء كنعان من خلال مداخلته، إصراره على التمسك بصحة المسلك الذي سلكه خلال حياته المهنية، وعليه، صار عمره، افتداء <<لعقيدة>> آمن بها، ومضبطة اتهام لكل مشكك بصدق <<نواياه>> ولكل مرتاب بحقيقة استعداده للتضحية، في سبيل ما اعتبره دائما الأهم: <<مصلحة سوريا>>... يشبه غازي كنعان في هذا الموقف كثيرين سبقوه، في مطارح اخرى من العالم. لقد سجل هؤلاء على طريقتهم، فهمهم لمغزى <<نقاء عقيدتهم>>، وحمّلوا، على طريقتهم ايضا، الآخرين وزر دمهم المسفوح... وتركوا، لمن يشاء، ان يطوف <<بقمصانهم>> على الملأ!! في استكمال صورة <<المشهد السوري>>، يرد <<الشطر اللبناني>>، ذلك الذي حملته المادة <<الأرشيفية>> التي أعادت التذكير، بتعرجات المهمة السياسية الامنية، التي تولاها اللواء غازي كنعان، في لبنان. لقد ظهر من خلال شريط الصور المستعادة، ان <<الوزير الراحل>> كان صاحب الدار السياسية، فيما كان السياسيون اللبنانيون، على اختلاف مواقعهم، أقرب الى <<الزوار>>. إلا ان ما يعني المهتم في هذا المجال، ليس صفة <<الاقامة المواطنة>> السياسية، لهذا السياسي اللبناني او ذاك، بل ما يستوقف، هو مدى المصداقية المتضمنة في مقولات <<الطبقة السياسية اللبنانية>>، المتداولة حاليا، حول السيادة، ومثالب النظام الأمني، ومنع الهيمنة السورية لأولئك السياسيين من المبادرة في اتجاه سياسي آخر!!.. الخ.

تقول الصور، الموحية والناطقة، بأن كل الناطقين اليوم (إلا قليلا)، قد استعاروا ألسنتهم من النظام الأمني المشكو منه، وأنهم بنوا <<سلطانهم>> المادي والكلامي، في ظلال سيوفه، ما يكاد يقرّب المرء من القول، ان جل <<الطبقة>> بل كثرتها الساحقة، كانت من عجين ذلك <<النظام>> وخبزه، وبالتالي فهي التي ردت الجميل له، فنظّرت لمحاسنه، وبشّرت بفضائله على اللبنانيين. اذا كان ثمة من رأي في هذا المعرض، فهو ان الخلاف مع النظام الأمني <<اللبناني السوري>> وإثارته من قبل <<طبقة السياسيين>> اللبنانيين، إياها، يصيران خلافا ضمن <<أهل البيت>> الواحد، ومدار هذا الخلاف، يصير الحصة والخطوة، والقرب من مركز <<صناعة القرار>> محليا، او الاقصاء عنه. وبالتالي، فإن النتيجة المرجحة لهكذا تقدير لواقع <<أهل الاستقلال والسيادة والديموقراطية>> ليست أقل من نعت ادعاء هؤلاء بالتهافت، ونسبة <<غياب المصداقية>> الى ما ينسبونه الى أنفسهم من مواقف <<وطنية عامة>> والانصراف، بناء على كل ذلك، الى التفتيش عن القضايا التي تلامس فعلا مصالح اللبنانيين، وتخاطب العلاقة المستقبلية مع السوريين، وتؤسس لوطنية عروبية مغايرة للنسخ المتداولة... التفتيش عن هذه <<الهموم المصيرية>> في مكان آخر، بعيدا عن خطب <<ما قبل الانتحار>>، وبعيدا، خصوصا، عن سيل التصريحات، ودفق الصور المعبرة ما بعد هذه الخطب.

مصادر
السفير (لبنان)