باريس ـ وسيم الأحمر

من مساوئ الإقامة بعيداً عن الوطن، سورية، وعدم متابعة التلفزيون السوري والفضائيات العربية هو عدم الإطلاع عما ينتج في بلدنا ومنطقتنا من فن وطرب و نجوم. فتخيلوا مثلاً بأني لم أسمع بإسم مطرب شعبي كبير من أحد أبرز وجوه الغناء المعاصر في بلدنا الحبيب إلا قبل سنتين، إذ شكا لي صديق يقيم في دمشق بأن صوت فيروز بدأ يغيب عن أثير الإذاعة السورية وحلت محله مواويل هذا المطرب. وبأن أغانيه تبث عدة مرات يومياً على شاشة التلفزة، وبأنها تتصدر لائحة الأفضل مبيعاً على عربات أشرطة كراجات الباصات في حرستا.

ومرة أخرى شعرت بالخجل من جهلي وأنا أستمع لبعض الأصدقاء اللبنانيين يرون النكتة تلو النكتة (من نوع للكبار فقط)، عن هيفا وهبة وأنا لا أدري عمن يتحدثون. ولكن لم أشعر بأهمية وخطورة جهلي هذا إلا مؤخراً عندما إزدادت الضغوط الدولية على سورية، واتهمتها لجنة التحقيق الدولية برئاسة ميليس بالتورط بجريمة إغتيال الحريري. إذ بت عاجزاً عن متابعة مجمل الخطاب الغنائي الوطني المواجه للتحديات والضغوطات الدولية. ولحسن الحظ أتاحت لي الأنترنت الإطلاع على بعض كلمات الأغنية الوطنية الكبيرة التي تقول بأن تقرير ميلس حقه فرنكين وفلس وكوني لم أسمع الأغنية ولا أعرف اللحن ولا التتمة لم أستطيع تحديد ثمن التقرير بشكل دقيق إذ لا أعرف إن كان المقصود فرنكين سوريين أم سويسريين أو ربما فرنسيين وبما أن الفرنك الفرنسي لم يعد مستخدم فالتقرير لا يساوي شيئاً نهائياً وهو للكب في الزبالة أو للحفظ في المتحف مع الفرنكات الفرنسية القديمة. وعلمت أيضاً عبر الصحف بأن المسرح كان له كلمته في مواجهة الضغوطات وفي التعبئة الشعبية العامة، وبأن صاحب برنامج "سوا ربينا"، الذي كان على الموضة بعيد إتفاق الطائف حول مشروعه، عبر عمل مسرحي، إلى ما يقارب "لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا". ليتناسب مع دقة المرحلة في العلاقات السورية اللبنانية. وأدام الله أغاني فيروز التي تعطينا لكل مرحلة عنوان.

المشكلة الأساسية هي الإستهزاء بكل شيء وتسخيف كل شيء، من الفن إلى السياسة ومن المقاومة إلى الثقافة. لم نكن بحاجة لأغنية أياً كان مستواها الفني لتثمن لنا تقرير ميليس. وتروج بشكل سطحي لمفهوم ساذج للمقاومة الشعبية للضغوطات. التقرير الذي لا يساوي حقه فرنكين وفلس كان مدخلاً لتدويل المسألة السورية، ولصدور قرار دولي بإجماع الدول الأعضاء في مجلس الأمن يطالب سورية بالتعاون ويضعها تحت التهديد بالعقوبات. وكان التقرير نفسه لطخة كبيرة شوهت صورة سورية في الخارج، وجعلتها مجرد متهم بجريمة. ولم تستطع سورية، بخطابها الإعلامي ترميم سنتمتر واحد في هذه الصورة الملطخة. التعبئة الشعبية ضرورية لتحصين المجتمع ضد الضغوطات والمشاريع الدولية الموجهة ضد سورية، لكن يجب الخروج من الطريقة الكلاسيكية الفاشلة بمخاطبة الغرائز وتجييش العواطف.

المطلوب اليوم هو تقديم فهم لما حدث وسيحدث، عبر خطاب إعلامي واضح وموضوعي، يمتلك أدوات إقناعية عقلانية من شأنها التأثير بالرأي العام الداخلي والخارجي وليس تبسيط الأمور وتسطيحها للقفز إلى أجوبة سريعة ومجتزأة للقول بأن التقرير حقه فرنكين وفلس. وأما على مستوى الإبداع فمن الضرورة الإرتقاء بالفن ليكون منارة، تقدم رؤية وليس مجرد مرآة ساذجة تعكس وبشكل عفوي وآني ما يدور في الواقع، وما تروجه السلطة. ليس المطلوب منه شتم شخصيات لبنانية ربينا معها في الماضي، بقدر ما التنبيه إلى أن في هذه التربية كان ثمة خطأ ما في مرحلة ما، قادتنا من "سوا ربينا" إلى "لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا".