الكقاح العربي/ سعاد جروس

أجمعت الأخبار والتحليلات التي تناولت تصريحات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام لقناة «العربية » على عمق الهزة العنيفة التي أحدثتها في الداخل السوري, وعلى أنها كانت مفاجأة أثارت في توقيتها عاصفة من إشارات الاستفهام.

مع أن أغلب المحللين رأوا أن خدام لم يأت بجديد وموقفه لا يعتبر مفاجئاً, ضمن سياق الأحداث على الساحتين السورية ­ اللبنانية, منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

السؤال: هل إعلان خدام «انشقاقه» ­ إذا صح التعبير ­ عن النظام السوري, أحد تداعيات اغتيال الحريري, أم أن مقدمات هذا الحدث تمتد الى أبعد من ذلك؟

لم يكن من السهل على الشارع السوري تقبل مشهد نائب رئيس الجمهورية السابق عبد الحليم خدام وهو يطل من قصره الباريسي عبر قناة «العربية», متحدثاً عن فقر الشعب السوري, وعن جهوده وأفكاره الإصلاحية التي آلت الى الأدراج, كونه أحد أهم رموز الحرس القديم الذي طالما قيل الكثير عن إعاقته لعملية الإصلاح التي أطلقها الرئيس بشار الأسد لدى تسلمه السلطة العام 2000, وقد كان خدام وآخرون ممن لازموا الرئيس الراحل حافظ الأسد, ضمن دائرة الاستهداف في حملة مكافحة الفساد التي بدأها بشار الأسد عام 1998, إلا أن صعوبات كثيرة حالت دون ذلك, أهمها الخوف على استقرار سوريا في مرحلة حرجة كان فيها الرئيس حافظ الأسد يعيش أواخر أيامه, كذلك تعطل حملة مكافحة الفساد بعدما افتتحت بطرد رئيس الوزراء محمود الزعبي من الحزب بتهمة الفساد, وانتحاره قبيل تحويله الى المحاكمة. وقد مكث عبد الحليم خدام في موقع المتهم المسكوت عنه, دون أن يخفى على أحد حجم ثروته وثروة أبنائه, والانتهاكات التي ارتكبوها بحق الشعب السوري على مدى عقود, مثلهم مثل باقي الفاسدين والمفسدين المسكوت عنهم, وبقي لغزاً محيراً سبب إبعاد خدام في اليوم الأول لوفاة الرئيس حافظ الأسد, وتكليف رئيس الوزراء محمد مصطفى ميرو بإدارة شؤون البلاد, على الرغم من كونه نائب الرئيس وهو الأولى بإدارتها, ولم يُستغرب ذلك, فقد سبق وأُبعد عن إدارة الملف اللبناني عام 1998 الذي تسلمه منذ أواسط الثمانينيات مع اللواء غازي كنعان. لكن كان لافتاً عودة خدام في اليوم التالي ومشاركته في عملية نقل السلطة إلى بشار الأسد مع مجموعة من الحرس القديم, لتُستبعد على الأثر المحاسبة التي ظن السوريون أنهم سيُخضعون لها, وأهمها المساءلة عن قضايا الفساد الكبرى التي أنهكت الاقتصاد السوري. على أن الوضع الذي جُمد نسبياً, كان من طرف آخر, يجري باتجاه إبعادهم تدريجياً عن دائرة القرار.

بالاستناد إلى ما جاء في تصريحات خدام الأخيرة, يستشف المتابع أنه منذ العام 2000 خسر خدام جزءاً كبيراً من دوره الذي كان يؤديه منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في آذار /مارس/ 1963, وتعيينه محافظاً لحماة, وهو موقع شغله حين وقعت الصدامات المسلحة بين السلطة وأبناء المدينة من الإسلاميين عام 1966, بعدها نُقل خدام إلى القنيطرة وبقي محافظاً لغاية نكسة 5 حزيران 1967, واحتلال الجولان والقنيطرة. في العام 1969 تسلم خدام وزارة التموين والتجارة. عين في عام 1970 عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث, عقب نجاح وزير الدفاع حافظ الأسد بالحركة التصحيحية. ثم انتقل إلى وزارة الخارجية مع تولي حافظ الأسد رئاسة الجمهورية. في عام 1974 عين نائباً لرئيس الوزراء, واستمر في وزارة الخارجية لغاية 1984, خلالها تسلم أكثر الملفات دقة وحساسية في السياسة الخارجية, ومنها الملف اللبناني في الوقت الأكثر حرجاً وخطورة, كانت تمر فيه العلاقات السورية ـ اللبنانية, أثناء الحرب الأهلية ودخول الجيش السوري إلى لبنان, وملف العلاقات السورية ـ الإيرانية في ذروة الحرب العراقية ­ الإيرانية, حين كانت سوريا البلد العربي الوحيد الداعم لإيران.

تمكن خدام طيلة عمله إلى جانب الرئيس الأسد الأب من مواكبة خطواته على صعيد السياسة الخارجية التي أخرجت سوريا من العزلة, وحولتها من ساحة صراع إلى لاعب إقليمي أساسي في المنطقة, مما يحسب لحنكة حافظ الأسد وقدرته على إرساء قواعد نظامه وضمان أمن واستقرار سوريا, إلا أن جزءاً كبيراً من ثمن ذلك جاء على حساب الاقتصاد, سدده الشعب السوري فواتير باهظة ذهبت إلى جيوب الفاسدين, لتشكل عقبة كبرى مكثت تنتظر بشار الأسد, خاصة وأن رجال السلطة تحولوا نتيجة الإثراء الفاحش من سياسيين إلى رجال أعمال, وبالتالي تحولت المواجهة معهم من ساحة الحفاظ على المصلحة الوطنية إلى ساحة الصراع على المصالح التجارية؛ مأزق وصفه مصدر خاص لـ«الكفاح العربي», بأنه غاية في التعقيد, كون الصراع يأخذ منحى انتقامياً كيدياً لا هوادة فيه, بعيداً عن أي صراع سياسي وطني, وإن حاول الأطراف تغليفه بشعارات سياسية ووطنية.وكانت جوهر المشكلة التي واجهت بشار الأسد منذ تسلمه السلطة, سواء في الساحة اللبنانية أو في الساحة السورية مع عناصر الحرس القديم, الفساد المتجذر في الاقتصاد السوري, وبات الحد من نفوذه يشكل خطراً على الاستقرار, وهو ما تأكد مع انشقاق خدام الذي ينبئ بتداعيات كثيرة. وهنا يعود المصدر إلى إدارة خدام للملف اللبناني لغاية 1998 , حيث تم إبعاده عن إدارته من قبل الرئيس حافظ الأسد الذي استشعر بأن تحالف خدام مع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري تجاوز حدود الأمان في الولاء للقيادة السورية, فجرى تسليم الملف لوزير الخارجية الشرع, فيما استمر خدام في منصبه نائباً للرئيس الذي وصل إليه منذ 1984, ولغاية تموز مايو 2005, حيث تقدم بطلب إعفائه من كافة مهامه الحزبية والمدنية إلى المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث, في جلسات اليوم الأول, بعد مداخلة استمرت أكثر من ساعة وربع, ضمن أعمال اللجنة السياسية المنبثقة عن المؤتمر والتي ترأسها وزير الخارجية فاروق الشرع, وهي لجنة ترأسها خدام في المؤتمرات السابقة. انتقد خدام في مداخلته بحدة السياسة الخارجية في محاولة لإعلان تبرؤه من هذا الوضع, مشيراً بوضوح إلى أداء الوزير فاروق الشرع وطريقة تعامله مع القرار 1559, ما أدى إلى مشادة كلامية, دفعت الصحافي علي جمالو وهو عضو في المؤتمر, الى رد عنيف على خدام وقد سأله: «لماذا وصلنا إلى هنا في لبنان, وأنت كنت مسؤولاً عن الملف اللبناني سنين طويلة؟ وأنت الآن تطالب بالديمقراطية؟ ماذا كنت تفعل طوال الأربعين سنة السابقة؟ لماذا لم تطبق الديمقراطية؟».وتحدث عن «خلافات شخصية بين الوزير الشرع والنائب خدام, استدعت النقد, ويجب أن ينأى البعثيون بأنفسهم عنها». وكان لافتاً حينذاك تسرب وقائع الجلسة إلى الإعلام, إلا أن الناطقة الرسمية باسم المؤتمر الوزيرة بثينة شعبان نفت بداية نبأ استقالة خدام, ثم راحت لا تنفي ولا تؤكد لغاية اليوم الأخير, كما كان لافتاً ردها على الصحافيين أن تلك أنباء «مغرضة», في وقت ظهر فيه للعيان أن قراره بالاستقالة اتخذ قبل انعقاد المؤتمر, بحسب الترتيبات المتخذة في مكتب خدام قبيل انعقاد المؤتمر بأيام. ولو عدنا إلى تلك الفترة تحديداً, وإلى رد الفعل الخارجي على استقالته, لا بد من الملاحظة أن أول رد فعل صدر عن السفير السابق للولايات المتحدة في سوريا تيودور قطوف عبر تصريح نقلته قناة «الحرة», بان استقالة خدام كانت متوقعة, مضيفاً: «ما أثار استغرابي هو تعرض خدام لانتقادات بعد كل هذه السنين من الخدمة, كان من الممكن أن يترك ليغادر ويحافظ على سمعته!!».فهل كان قطوف على علم بالاستقالة, أم أنها مجرد مصادفة؟! سؤال طرحته «الكفاح العربي» على مصدر كان مقرباً من خدام, الذي قال ربما كانت مجرد مصادفة, لكن تصرفات خدام منذ العام 2003 وإبعاده تماماً عن الملف اللبناني, والذي تكرس بسحب حليفه اللواء غازي كنعان من لبنان, وإسناد وزارة الداخلية له, باتت تتسم بالتحليق خارج السرب, لكن لم يتوقع أحد أن يصل إلى ما وصل إليه في تصريحاته الأخيرة, لا بد أن الكثيرين أخطأوا التقدير, فبعد التمديد للرئيس لحود في أيلول 2004 واشتداد حملة المعارضة ضد سوريا, كان خدام المسؤول السوري الوحيد الذي ذهب للاطمئنان الى صحة مروان حمادة بعد ساعات من تعرضه لمحاولة اغتيال يوم 1 تشرين الأول 2004, وقد سار على الأقدام وسط جماهير تهتف ضد سوريا, ليلاقي وليد جنبلاط بعينين دامعتين, على باب المستشفى الخارجي, وكذلك حين ذهب مرتين بصفته الشخصية لتقديم العزاء بعد اغتيال الرئيس الحريري, رغم الحملة المستعرة التي شنتها المعارضة اللبنانية, ورغم كل شعارات العداء لسوريا ولرئيسها بشار الأسد, وحسب مراقبين «أبدى إصراراً على عدم تسمية إسرائيل كمسؤولة عن الاغتيال, ومعلناً على نحو غير مباشر انه ينبغي التفتيش في الداخل اللبناني والسوري عن هذه المسؤولية». ويتابع المصدر المقرب: ربما كان علينا ذلك الحين فهم أن خدام حدد خياراته, وأن الرئيس حافظ الأسد كان محقاً في شكوكه فيما يخص ولاءات عبد الحليم خدام منذ 1998... إلا أن المصدر يستدرك, لاشك أن تاريخ خدام في إخلاصه للرئيس حافظ الأسد, كان يقطع ذلك الشك ويستبعد تماماً إعلان انشقاقه على هذا النحو, أو على الأقل حفاظاً على بيته الذي كان من زجاج خالص.

بعيداً عن تلك المقدمات البعيدة لانشقاق خدام, ثمة مقدمات كثيرة قريبة, أحدها سفر خدام إلى فرنسا, مما يثير التساؤلات حول عدم اتخاذ السلطات السورية أي خطوات لاحتوائه أو منع أولاده من السفر كما طُرح في مجلس الشعب. ومن تلك المقدمات أيضاً, ما تردد عن تنسيق بينه وبين حكمت الشهابي للانضمام إلى المعارضة في الخارج, وإشاعات كثيرة حول ترتيب انقلاب على حكم بشار الأسد, وما تردد عن مشاركته في مؤتمر للمعارضة في باريس, تعثر انعقاده. وما قيل عن رفض المعارضة مشاركته مع حكمت الشهابي, ما لم يعتذر للشعب السوري عن ماضيه في السلطة, وغيرها الكثير من الأخبار التي نفاها خدام بالقول انه سافر لكتابة مذكراته, أو في رحلة علاج, كما أخبر أصدقاءه قبيل مغادرته دمشق منذ نحو ستة أشهر, فيما كان هو وأبناؤه الأربعة جمال وجهاد وباسم وريم, يعملون على تصفية شركاتهم وممتلكاتهم ونقل أموالهم إلى الخارج, المقدرة بمليار دولار خارج سوريا ومائة مليون دولار في الداخل, ومن ثم سافر كل أفراد العائلة للإقامة في باريس, علماً أنهم يحملون الجنسية السعودية, حصلوا عليها بمساع من الرئيس الراحل رفيق الحريري, وارتباط العائلتين بعلاقة مصاهرة بالإضافة إلى العلاقات التجارية. يضاف إلى كل تلك التحركات ما نقلته تقارير إعلامية, عن التقاء خدام بشخصيات لبنانية واميركية وفرنسية في بيروت قبل أسبوعين من اغتيال الحريري, وكان على اتصال دائم, وما زال مع شخصيات لبنانية سياسية, وأخرى تعمل في مجال الاستثمارات في شركات مسجلة في الولايات المتحدة وفرنسا. وعن عقده لقاءات سرية مع زعماء لبنانيين في ألمانيا وعاصمة خليجية, ولقاءات عدة في باريس, كما وجمعت أبناؤه حلقات اتصال مع العديد من الجهات, من خلال شركاء في الميدان التجاري, خاصة تلك المقامة في دبي وباريس.

هل كان كل ذلك يتم بعيداً عن عين المخابرات السورية؟ أم أن الشك في خدام لم يكن ليرقى إلى درجة إقدامه على إعلان الانشقاق, وله ما له وعليه ما عليه, أم أنها خطوة ليست انتحارية, بقدر ما هي رعناء, أراد أن يختم بها حياته السياسية؟ السؤال الأهم, ترى على ماذا راهن خدام وقد تجاوز السبعين من العمر, قضى أكثر من أربعين عاماً منها في ظل حافظ الأسد؟ هل راهن على المال أم على دور سياسي ما؟ وأي دور سياسي تضمنه لعبة دولية تحرق بنارها أي ورقة بمجرد رميها على الطاولة؟ فما بالنا بإعلان التبرؤ من ماض سيلاحق خدام كاللعنة؟!