الدستور/ علي الصفدي

لا تستطيع سورية إدارة ظهرها للضغوطات المتصاعدة التي تتعرض لها من قبل المجتمع الدولي المتمثل بمجلس الأمن واللجنة الدولية المنبثقة عنه الخاصة بالتحقيق في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق الشهيد رفيق الحريري، والتي لن تتوقف كما أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية إلا بعد التوصل إلى كشف كامل عن الحقيقة. وتتواصل الضغوطات بشكل أكبر بعد المعلومات الخطيرة التي كشف النقاب عنها نائب رئيس الجمهورية السورية السابق عبدالحليم خدام حول تلك الجريمة، والتي وضعت رئيس النظام وكبار مساعديه الأمنيين في بؤرة الاتهام المباشر، وبعد حملة خدام الصحفية المكثفة التي أخذ يبرهن فيها على ما أورده من اتهامات وتقديمه لإفادة حافلة بما لديه من معلومات إلى اللجنة الدولية للتحقيق وذلك يوم أمس الأول في باريس.

ويبدو أن إعلان دمشق استعدادها للتعاون مع اللجنة الدولية وتسهيل مهامها والسماح لها بالاستماع إلى إفادة فاروق الشرع وعدد من المسؤولين، يشكل خطوة إلى الأمام، ويُظهر إمكانية قبولها أن لا تتعدى الإدانة بالتورط السوري عدداً من أشخاص مسؤوليها دون توجيه الاتهامات للنظام الحاكم المتمثل بالرئيس بشار الأسد. وفي هذا الصدد يبذل الرئيس المصري مساعيه المكثفة عربياً ودولياً لإقرار هذا المخرج الذي ينأى بمكانة الرئاسة السورية عن المساس الاتهامي المباشر له، ويحمل المسؤولين الأمنيين السوريين واللبنانيين مسؤولية اغتيال الحريري.

ويقال إن ذلك قد ينطوي على قبول اللجنة الدولية إجابات خطية من الرئيس الأسد رداً على تساؤلاتها حول المعلومات التي توفرت لديها خلال تحقيقاتها والتي عززها نائبه المنشق عنه عبدالحليم خدام. إن إنقاذ سورية مما تتعرض له من استهداف أمريكي مكثف، وما يواجهه نظامها الأمني من اتهامات مباشرة بالضلوع في عدد من جرائم الاغتيال على الساحة اللبنانية، ومن شبهات بالثراء الفاحش غير المشروع والفساد المتفشي بين عدد من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والمقربين، يتطلب من الرئيس السوري أن يحزم أمره وأن يضع مصلحة الوطن العليا فوق مصالح الأفراد مهما كانت مواقعهم، وأن يبادر إلى التضحية بالمتورطين المنضوين تحت نظام حكمه إذا ثبت تورطهم، وتقديمهم إلى لجنة التحقيق الدولية وإلى القضاء ليقول كلمته فيهم دون أي تدخل لحماية أي منهم والتستر على بعضهم مهما كان هذا البعض مقرباً منه أو صديقاً له، وأن يثبت لشعبه وللعالم أنهم وحدهم يتحملون مسؤولية ما اقترفوه، وأنهم كانوا المحرضين له شخصياً على توجيه تهديداته لعدد من المسؤولين اللبنانيين عن طريق معلومات مضللة نقلوها إليه، ووشايات ملفقة حول أولئك المسؤولين، وأن يؤكد عدم وقوفه وراء أوامر تنفيذ جريمة اغتيال الحريري إذا كان فعلاً ووفق ما أعلنه في تصريح سابق أنه يعتبر كل ضالع في تلك الجريمة خائنا لوطنه وتجب محاكمته.

إن أمن سورية واستقرارها وسلامة شعبها وصون مصالحها، أمر يحظى باهتمام كل مواطن عربي غيور على عروبته وقوميته، ولا بد أن يكون ذلك على رأس أولويات الرئيس السوري عن طريق العمل على تطهير أجهزة الحكم والحزب من المتورطين بارتكاب الجرائم والضالعين بالفساد، والمبادرة إلى إجراء إصلاح سياسي وإداري وأمني وحزبي جذري شامل، إنقاذاً لسورية من كل ما تتعرض له من أزمات وضغوطات.