الدستور/ خيري منصور

نعرف من أين بدأت وكيف ؟ لكن نهايتها ما تزال طي الغيب إلا من أوتي علما وفيرا في متواليات التفكيك والاستجواب ، وبالرغم من أن عبد الحليم خدام لم يكن الحائط الرابع في المسرح الذي تداعى ، إلا أن تلك القفزة الدراماتيكية إلى المشهد الدمشقي أنذرت بما لا يسر ، فدمشق التي كانت تحت مجهر الراصد الأمريكي ، أصبحت الآن في عين العاصفة ، والخيارات تضاءلت ونخشى أن تنتهي إلى أثنين فقط ، كما يحدث عادة عندما توشك متواليات من هذا النوع على بلوغ خواتمها ! ولم يكن المراقب لما يجري في دمشق وحولها بحاجة إلى عيني زرقاء اليمامة أو زرقاء الشام كي يرى في الأشجار الزاحفة أو تحتها جنودا بطاقية الإخفاء ، فلقد تلقن الناس جميعا درسا بغداديا لا ينسى ، ولم تنفع معه الاستدراكات بأثر رجعي أو حتى الاعتراف بالحرب الخطأ ! فالحروب التي حملت اسم ما بعد الحداثة أو حروب الاستباق الواقي لها ديناميات فريدة مثلما لها أسلحة غير مجربة من قبل ، هذه الحروب ، تبدأ أولا ، ثم تبحث عن ذرائعها ، وقد لا تعثر عليها على الإطلاق كما حدث في العراق الذي أتضح خلوه من أسلحة الدمار الشامل ، لكن بعد فوات الأوان .. إن أخطر ما في هذه الحروب هو قدرتها الاستثنائية والفائقة على احتمال الأخطاء حتى لو كانت خطايا ، يذهب ضحيتها ملايين البشر ،وكأنهم مجرد عرض جانبي ، والمتوالية الدمشقية لن تكون جديدة ، بقدر ما ستكون حسب ما تقول قرائنها طبعة جديدة منقحة ومزيدة بعض الشيء ، بسبب الفروق الموضوعية بين ظرفي كل من بغداد ودمشق وما يحيط بالعاصمتين من أوضاع ، وبيئات سياسية .

وقد تلجأ دمشق إلى تخفيف المسميات التي تبدو فظة ، وتنال من السيادة ، كأن يكون القبول باستجواب وزير الخارجية فاروق الشرع أو التوأم السياسي اللدود لعبد الحليم خدام ، تحت عنوان الموافقة الرسمية على لقاء لجان التحقيق معه .. وهذا المسألة باتت معروفة حيث تلجأ النظم السياسية المستهدفة إلى ما يسميه البلاغيون العرب ز ترخيم ز المفردات السياسية القاسية . إن كل نتيجة سواء كانت لتحقيق دولي في اغتيال ، أو لأية مقدمات أخرى تبقى محكومة بشرطين ، أولهما ميزان القوى وثانيهما منسوب التماسك المحلي ، وحسب الأمثولات العربية المعاصرة ، فإن هذين الشرطيين ليسا متوفرين بالقدر الكافي لأي نظام ، لهذا لابد من الانحناء للعاصفة ، تحت عناوين إجرائية أو تكتيكية لكن ما من ضمانات على الإطلاق لعدم تحول الإجرائي إلى دائم ، والتكتيك إلى استراتيجية أو حتى ( ميتا استراتيجية ) لهذا فالمتوالية الدمشقية قد تتعرض لتسارع في تعاقب الأحداث والمواقف ، مما يدفع إلى الاعتقاد بأن السيد عبد الحليم خدام كان وما يزال عقبة أخيل غير المحصن ضد السهام ، هذه إن لم يكن حصانا خشبيا بصورة تليق بحروب طروادة المعاصرة !!!