اميل خوري/النهار

بات واضحا للجميع ان سوريا لن تدع لبنان يرتاح ما دامت هي غير مرتاحة وتشعر بالخوف والقلق على نظامها، لذلك عمدت بعد خروجها العسكري من لبنان الى خلق ازمة عبور الشاحنات وتوقيف صيادين لبنانيين بحجة انهم كانوا يصطادون داخل مياهها الاقليمية. وعندما شعرت بأن الرئيس السنيورة يمارس الحكم على اساس ان لبنان بات دولة سيدة حرة مستقلة ودعا سوريا الى ان تتعاطى معه على هذا الاساس، وصفه الرئيس الاسد بأنه عبد مأمور لعبد مأمور، وعندما قرر مجلس الوزراء الرد على هذه الاهانة عمد وزراء "التحالف الشيعي" مسايرة منهم لسوريا الى الانسحاب من الجلسة، لتجنب الموافقة على هذا الرد، وعندما قرر مجلس الوزراء على اثر اغتيال الشهيد جبران تويني تجاوبا مع النقمة الشعبية العارمة على هذا الاغتيال، انشاء محكمة لها طابع دولي وتوسيع التحقيق الدولي في جرائم الاغتيال، عمد وزراء "التحالف الشيعي" الى مقاطعة جلسات مجلس الوزراء، تارة بحجة ان اتخاذ مثل هذا القرار يحتاج الى مزيد من الدرس، وكأن جريمة اغتيال صحافي كبير لا تستحق كل هذه السرعة في اتخاذ قرار بذلك، وطورا بحجة ان "حزب الله" ليس ميليشيا كي ينزع سلاحه بل هو مقاومة من حقها ان تظل محتفظة بهذا السلاح الى ان يتم تحرير كل الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي وان يزول خطر العدوان الاسرائيلي المحتمل على لبنان... وان يتخذ مجلس الوزراء القرارات في المواضيع الاساسية بالتوافق وليس بالتصويت، وهو موقف يتعارض مع ما تضمنه البيان الوزاري ومع ما نص عليه الدستور المنبثق من اتفاق الطائف.

وعندما رفضت قوى 14 آذار "الاقتراحات السورية" التي حاول الرئيس الاسد في زيارته لكل من المملكة العربية السورية ومصر اعطاءها صفة المبادرة العربية، لأن هذه الاقتراحات تعيد الهيمنة السياسية السورية على لبنان بعد زوال هيمنتها العسكرية، ردت سوريا على هذا الرفض بتحريك الشارع بواسطة من تبقى من حلفائها في لبنان وحض المتظاهرين على الاصطدام بقوى الامن الداخلي باصرارهم على تجاوز الحاجز الذي يحمي مبنى السرايا الكبير من كل عبث واعتداء وتخيير اللبنانيين مرة اخرى بين الوقوف مع سوريا او الوقوف مع اميركا...

والسؤال المطروح هو: ماذا تريد سوريا من خلال تحريك ما تبقى من حلفائها في لبنان، تارة بمحاولة خلق ازمة وزارية، وطورا من خلال تحريك الشارع لجر لبنان الى انقسام وفتنة كانت تحذر منها لتبرير بقاء قواتها في لبنان، وفي الوقت نفسه تحذر من "الفوضى البناءة" التي تتهم الولايات المتحدة الاميركية بالتخطيط لها من اجل اقامة الشرق الاوسط الكبير، واذا هي التي تدفع لبنان الى هذه الفوضى بتحريك الشارع ودفع اللبنانيين الى الفتنة والاقتتال. وجعل السلاح يدخل الى لبنان عبر حدودها مع تسلل العناصر الاصولية لضرب الامن والاستقرار فيه؟ يجيب نواب من قوى 14 آذار على هذا السؤال بالآتي:

ان سوريا حاولت تأخير انسحاب قواتها من لبنان تنفيذا للقرار 1559 بتشكيل حكومة برئاسة عمر كرامي تتألف من اكثرية موالية لها وقفت مع الرئيس لحود ضد هذا القرار واعلن كرامي صراحة ان اللبنانيين منقسمون حول هذا القرار، علََِّ موقفه هذا يجعل المجتمع الدولي يتراجع عن اصراره على المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان، بل ذهب في ولائه الشديد لسوريا مع حكومته الى حد القول ان اللبنانيين منقسمون بين من يؤيد بقاء سوريا في لبنان ولا سيما انه لا يمكن نزع سلاح "حزب الله" اذا ما انسحبت منه... ومن يؤيد الولايات المتحدة الاميركية في المطالبة بانسحابها.

واليوم تحاول سوريا بواسطة من تبقى من حلفائها العودة سياسيا الى لبنان بعدما خرجت منه عسكريا، وذلك بالعمل على اسقاط حكومة الرئيس السنيورة المغالية في الدفاع عن السيادة والاستقلال وفي ممارسة سياسة تحرج بها سوريا مثل المطالبة بترسيم الحدود بدءا بمزارع شبعا لئلا يؤدي ترسيمها ومعرفة ملكية لبنان فيها، الى تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي فلا يبقى عندئذ مبرر لابقاء السلاح في يد المقاومة ، ومثل المطالبة باقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين يلغي اقامته وجود المجلس الاعلى اللبناني السوري الذي له صلاحية اتخاذ القرارات الملزمة للدولتين وكأنه يقيم بوجوده حكما مشتركاً لبنانيا سورياً، اضف الى ذلك اتفاقات معقودة بين البلدين تحتاج الى اعادة نظر لأنها وضعت في ظل الوصاية السورية على لبنان وفي ظروف غير متكافئة، وهي ما جعلت البطريرك صفير يقول عند عقدها "انه كان من الاجدر الانتظار لعقدها ريثما يكون لبنان قد استعاد كامل حريته وسيادته، فتكون اذذاك فرص التعاقد متكافئة والارادة اللبنانية الوطنية في منأى عن اي ضغوط او شبهات".

ويضيف هؤلاء النواب ان سوريا تحاول ان تمسك من جديد بما تملك من اوراق في لبنان لتجعل منها اوراق ضغط على الولايات المتحدة الاميركية لتقبل المساومة عليها من اجل التوصل الى عقد صفقة تبعد عنها كأس التوسع في التحقيق لمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وربما غيرها من الجرائم لئلا يعرّض السير في هذا التحقيق حتى النهاية النظام السوري للخطر، على ان تقابل سوريا بموجب هذه الصفقة اذا ما تمت بالمساعدة على ترسيخ الامن والاستقرار في لبنان ووقف الاغتيالات والتفجيرات، تمهيدا لعودة العلاقات الى طبيعتها بين البلدين، وعندها لا تكون الصفقة مع الولايات المتحدة الاميركية في نظر حلفاء سوريا في لبنان صفقة مع الامبريالية ـ، بل تجعلهم يشمتون بمن يعتبرونهم حلفاء اميركا في لبنان...

ويرى النواب انفسهم ان سوريا تمارس ضغوطها على لبنان وتتدخل في شؤونه الداخلية وترفض تغيير سلوكها كما تطالبها الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وبريطانيا ودول عربية لأنها تستقوي ببقاء نظامها وتعذر ابداله بنظام آخر خوفا من حدوث مزيد من الفوضى في المنطقة تضاف الى الفوضى القائمة في العراق.

لذلك فانه ما لم يحسم المجتمع الدولي امره حيال النظام السوري اذا لم تغير سلوكه، وعدم الاكتفاء بتكرار تأكيد استمرار الدعم الكلامي الاميركي والفرنسي والبريطاني للبنان، فان سوريا ستظل تخلق له المتاعب والارباكات الى ان تنال فيه ما تريد وهي عودتها سياسيا اليه بحيث تعود لتختار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء، وحتى النواب، بحجة انه لا يمكن ان يقوم تعاون صحيح وصادق بين سوريا ولبنان ما لم يكن الحكم في لبنان من خيارها، لتطمئن وترتاح... ولبلوغ هذه الغاية فانها تدرس الآن توقيت خلق ازمة وزارية توصلا الى تشكيل حكومة جديدة لها فيها اكثرية موالية لها تشرف على انتخابات نيابية مبكرة وينبثق منها مجلس نيابي لها فيه اكثرية تختار رئيسا للجمهورية مواليا لسوريا، وهذا معناه العودة بلبنان الى ما قبل 14 آذار ولكن من دون وجود عسكري سوري... فاذا لم تنجح محاولتها هذه، فانها قد تعمد، ما دامت مطمئنة الى بقاء نظامها، لخلق الفوضى في لبنان مع اي رئيس للجمهورية ومع اي حكومة اذا لم تكن راضية عنهما...