السفير/جوزف سماحة

العرب، مثل غيرهم من شعوب العالم، أصحاب مصلحة في عالم خال من الأسلحة الفتّاكة النووية وغيرها، وهم، من باب تحصيل الحاصل، أصحاب مصلحة في شرق أوسط خال من هذه الأسلحة. المشكلة ليست لديهم. إن دول النادي النووي هي التي ترفض الالتزام بتعهداتها خفض ترسانتها وصولاً إلى إزالتها. وهذه الدول، نفسها، ارتضت انضمام الهند وباكستان إليها. ويعرف أي متابع لهذا الملف أن الاتفاقات الاخيرة التي عقدتها الولايات المتحدة مع الهند تصب في خانة تعزيز الانتشار النووي. ويقال الأمر نفسه، بدرجة أقل، عن تسليح باكستان.

أضف الى ذلك أنه، في ما يخص المنطقة، فإن المشكلة النووية هي مشكلة إسرائيلية حصراً. إنها الدولة الوحيدة التي تملك سلاحاً نووياً، وترفض التوقيع على معاهدة الحد من الانتشار، ولا تقيم أي صلة مع وكالة الطاقة الدولية.

يترجم هذا الواقع نفسه انكساراً حاداً في موازين القوى داخل إقليم الشرق الأوسط، وبين دوله العربية والدول الأجنبية. ومن حق العرب (وهو حق لا تمارسه حكوماتهم) النظر الى هذا الانكسار بصفته المصدر الأول للعدوان الذي يتعرضون إليه وللتوترات التي تضرب حياتهم. فلو لم تكن إسرائيل بهذه القوة حيال العرب والفلسطينيين لكانت أكثر استعدادا لتسوية عادلة، ولو لم تكن الولايات المتحدة بهذه القوة (وهي معادلة في الحالتين للضعف العربي) لما انتدبت نفسها لاعادة هيكلة المنطقة وفق مصالحها ورؤاها فوق ما تعانيه المنطقة نفسها من تبعية والتحاق.

هذا هو الإطار العام، من زاوية عربية، للملف النووي الايراني.

لا مجال لتصديق وزراء خارجية الترويكا الاوروبية الذين نشروا، قبل اسابيع، مقالاً يشرحون فيه سياستهم. لقد زعموا أن سلوكهم حيال إيران مدفوع فقط بالرغبة في الحفاظ على التوازن في الشرق الأوسط. خطأ. إن سلوكهم مدفوع، حصراً، بالرغبة في الحفاظ على اللاتوازن.

وعندما ننظر الى الخلافات الاوروبية مع اميركا او اسرائيل في قضايا تخص العرب نلاحظ انه اختلاف حول سبل استثمار هذا اللاتوازن بين العرب والآخرين. لا يوجد خلاف واحد، من فلسطين الى العراق الى لبنان الى سوريا، إلا ويندرج في سياق التباين حول كيفية استخدام التفوق وأساليب إنفاقه واستعماله. وحتى التعارضات داخل الولايات المتحدة نفسها، أو اسرائيل، او كل بلد اوروبي على حدة، يمكن إعادتها الى المنطق نفسه: إنها تعارضات بين تيارات يقترح كل واحد منها خياراً للاستفادة من انعدام التوازن بين المنطقة ومن له علاقة بها.

هل اقتحام الملف الايراني المشهد مؤشر الى احتمال تعديل في هذا اللاتوازن؟ قبل تقديم اي جواب لا بد من أخذ العناصر التالية بالحسبان:

أولاً لا يملك احد في العالم دليلاً بسيطاً على وجود برنامج نووي عسكري إيراني. والخلاف الناشب اليوم هو، بالضبط، بين ما تعتبره إيران حقا يسمح لها بامتلاك الدورة التكنولوجية النووية الكاملة (مقابل التزامها ضوابط وكالة الطاقة) وبين ما يراه الغربيون خطراً لأنه يضع إيران على العتبة التي يمكن الولوج منها الى الشق العسكري.

ثانياً إن المواجهة الراهنة تطال الجانب المدني من البرنامج نتيجة الشبهة في كيفية استخدامه لاحقا. لذا فإن كل كلام رسمي يحذر من امتلاك إيران القنبلة هو كلام يتبنى اتهامات غير مثبتة ويصب موضوعياً في خدمة دعاة التصعيد ضد طهران.

ثالثاً لو سلمنا أن إيران متجهة نحو التطوير العسكري لبرنامجها فإن ذلك لن يكون إخلالاً بالتوازن بل تصحيح لانعدام التوازن. ويعني ذلك، في الشروط السياسية الحالية، إرغام الاوروبيين والاميركيين والاسرائيليين على تعاط مختلف مع شؤون المنطقة.

رابعاً يمكن الزعم، بناء على التجارب السابقة في العالم، ان التوازن يمكنه ان يكون مدخلاً الى الاستقرار، كما يمكن التأكيد، بناء على ما نعيش، ان انعدام التوازن هو السبب الاول لانعدام الاستقرار.

والآن، يمكن من وجهة نظر عربية، إيراد ملاحظات كثيرة تخص السياسة الإيرانية سواء في العراق او غير العراق. غير ان ذلك لا يلغي السؤال الملح عن الوجهة التي يفترض بالحكومات العربية سلوكها حيال هذه الازمة. ويبدو ان الجواب عن هذا السؤال الملح قد يكون الجواب الخاطئ.

لقد صرح وزيرا خارجية عربيان بما يفهم منه أنهما سلبيان حيال <<قوة نووية جديدة في المنطقة>> (إقرأ: إيران)، وطالبا بشرق اوسط، او خليج، خال من الاسلحة النووية، ولاما الغرب <<المسؤول جزئياً عن الطموحات الإيرانية>>. يعني هذا الكلام، في السياسة، الميل الى المعسكر المعترض على ما ينسبه إلى إيران من توجهات.

يجدر القول إننا أمام مناشدات لا سياسات. وإنها مناشدات تخدم من تخدم مجاناً. انها مواقف إعلامية الى حد بعيد لان الذين يديرون الملف لا يرتضون للعرب، ولدولهم المركزية، إلا الوقوف في الهامش وإطلاق التصريحات. يمكن للعرب <<لوم الغرب>> ولكن يمنع عليهم أي استنتاج من ذلك.. ويقبلون. يمكن للعرب <<رفض قوة نووية جديدة>> ولكن يمنع عليهم رفض <<القوة النووية السابقة>>.. ويقبلون. لا يقيمون توازناً مع إسرائيل ولا يرتضون اي توازن يقام معها. باختصار يعجزون بالكامل عن الاستفادة من تطور طارئ للجهر بما هو حق لهم. إن مقارنة بين سلوك الدول الاقليمية في الملف الكوري وسلوكها في الملف الإيراني تدعو إلى الخجل. والأخطر من ذلك هو أن أي رغبة جدية في تجنيب المنطقة توترات جديدة وخطيرة كان يفترض بها أن تقود إلى مواقف عربية مغايرة.