ما الذي يحمله المستقبل لسورية شعباً ووطناً؟ تساؤل مشروع على الصعيد الداخلي السوري والاقليمي، بل والدولي سواء القريب منه أو البعيد.

الناس في سورية ينشدون التغيير، ويعملون من أجله؛ لكنهم في الوقت ذاته يخشون المخاض العسير وتبعاته.

فالجشع اللامحدود، والأنانية المفرطة، وعقد السادية السلطوية من ناحية؛ والإحساس بالغبن والقهر، والاغتراب، والإعتداء على الأرزاق والحريات والكرامة من ناحية أخرى؛ كل ذلك جسّد مقومات وبواعث أدت إلى تراكم الأحقاد وتأصلها وتفاعلها؛ ودفعت بأهل البلد إلى أحضان الرعب والأرق والكوابيس.

ولإتقاء شرور وضعية معقدة كهذه، وفي غياب مظلة الإحتماء الوطني، يبحث كل فريق عن ملاذ يمنحه نسغ الاستمرار، ويوفر له ولو قسطاً يسيراً من الطمأنينة في حالك الأيام....

وفي خضم المعمعة، تطفو إلى السطح الرغبات والشهوات، الهلوسات والهواجس؛ حلول متسرعة تصدر عن عقول معطلة بفعل هيمنة الانفعالات وفقدان الثقة بالذات والآخر، والانصياع لمشيئة دائرة المقربين بمضامينها وتوجهاتها المختلفة.

وبعيداً عن لغة الإيحاء والرمز التي لم تعد ناجعة في عملية تشخيص الأوضاع الراهنة في سورية، فضلاً عن استشفاف آفاقها المحتملة، تطرح عدة أسئلة نفسها على جميع السوريين:

- من يحكم سورية بالفعل؟

- ماذا سيحدث في حال انهيار السلطة الحالية في سورية؟

-ما مدى جدية القوى المطالبة بالتغيير في سورية، وما هي حدود قدرتها على تحمل أعباء المشروع الوطني الذي يرعى ويطمئن الجميع؟

أسئلة مفصلية كما أسلفنا، لا يمكن تحاشيها أو إرجاء الإجابة عنها، نظراً لصلتها المباشرة، بل الصميمية، بما هو عليه واقع الأمور راهناً في سورية، وبما تنبئ به التطورات المتسارعة المتلاحقة من تغيير قادم في المستقبل القريب.

من يحكم سورية بالفعل؟

كثيراً ما يتشدق ويتباهى المسؤولون السوريون في الداخل والخارج، وأمام وسائل الاعلام، سواء المحلية منها أو العربية أو الدولية، بوجود مؤسسات دستورية، وهيئات متخصصة تقع على عاتقها مهمات التشريع والتنفيذ والمتابعة.

ويشير هؤلاء في هذا السياق إلى مجلس الشعب الذي كشف للقاصي والداني عن ماهيته الخاوية، وطبيعته المستعبدة في جلسة المحاكمة الغيابية لعبدالحليم خدام؛ والقضاء الذي لم يعد مصدراً للعدالة والنزاهة منذ أمد بعيد؛ والحكومة التي هي في الواقع بمنأى عن السلطة والشعب في الوقت ذاته.

لكننا إذا عدنا إلى الدستور الذي فُرض بقرار فوقي على الشعب السوري عام 1973، نلاحظ أن المادة الثامنة منه تنص صراحة على أن حزب البعث هو الذي يقود الدولة والمجتمع؛ وقد أُلزمت أحزاب الجبهة المتحالفة معه، أو أنها ألزمت نفسها بهذه المادة في إطار صفقة غريبة مهينة، ما زال شعبنا يدفع ضريبتها الباهظة.

غير أن حزب البعث نفسه ما هو سوى واجهة للتمرير والتضليل.

يرفع الشعارات القومية الكبرى ليتستر على عملية سحق الداخل الوطني لصالح مجموعة صغيرة محدودة تنصلّت من كل شيء سوى التسلط والنهم والرغبة في تحصيل المزيد باي ثمن وأية وسيلة.

هذه المجموعة تتحكم في الأجهزة الأمنية التي تعد القوة الفعلية التي تتحكم بمفاصل البلد، وتتدخل في دقائق حياة الناس؛ وتقيم أوثق العلاقات مع قادة الجيش الذي يعاني هو الآخر من أزماته وشجوته، وفُرض عليه أن يكون الخط، وأن كل السلبيات التي تحصل هي من مسؤولية الطائفة بأسرها.

ومصدر اللبس هو أن المجموعة المعنية تستغل الخصوصية السورية المتمثلة في تعدد الطوائف لتسويق المشروع الطائفي، وذلك لتوافقه مع مصالحها ومشاريعها الخاصة بها وبالشركاء، سواء من الأقارب أو الصحب المحيطين.

ليس هناك من وطني واحد في سورية ينكر تعرض الطائفة العلوية السورية في وقت ما لظلم مزدوج، اجتماعي ومذهبي،.

وليس هناك من وطني سوري واحد يقبل أن تتعرض هذه الطائفة وغيرها من الطوائف لظلم بغيض مماثل في المستقبل. لكن الأمر الذي يستوقف ويستوجب التمعن والتأني في المعالجة، هو أن الطائفة المعنية هذه قد حُولت بفعل الجهود المستمرة لمجموعة القرار والإستئثار من مشروع رفع نهضوي على المستوى الإجتماعي إلى مشروع ثأري استغلالي تم توجيهه وتوظيفه من قبل المجموعة المذكورة التي تتستّر بعباءة الطائفة، وتتمترس خلف شعارات قومية كبرى، لم تكن سوى أدوات للتضليل في سبيل ترسيخ تحالفاتها الاقليمية على أساس يخدم توجهاتها الطائفية، انطلاقاً من مصالحها الخاصة بها وليس بالطائفة؛ والتوجهات هذه تتناقض بالمطلق مع المشروع الوطني الذي من شأنه أن يستوعب جميع الطوائف والإثنيات بعيداً عن روحية التشفي والانتقام.

ولعله من المناسب هنا أن نؤكد أهمية تصدي النخب الوطنية العلوية في سورية لمهمة كشف النقاب عن حقيقة ما يجري باسم الطائفة من تزييف ونهب وتجاوز على الحرمات والحريات ضمن الطائفة وخارجها. وما ندعو إليه هنا لا يجسد مطالبة هذه النخب بضرورة تقديم صكوك البراءة، والبحث عن الخلاص الفردي، بل انها مطالبة بأداء دورها الوطني بعيداً عن عقد الخوف والشعور بالذنب أو الخجل غير المسوّغ. وذلك بتناول الهم الوطني السوري بتشعباته وخصوصيانه المختلفة بنَفَس موضوعي مسؤول؛ والتواصل مع القوى المعارضة السورية بغض النظر عن انتماءاتها القومية والدينية-المذهبية والسياسية، على أرضية البحث المشترك عن أفضل السبل من أجل التغيير والوصول إلى المخرج الآمن بالنسبة إلى جميع السوريين، حتى أولئك المنتفعين الذين آلوا على أنفسهم أن يكونوا في حالة عداء مع الداخل الوطني مهما كلفهم ذلك من تنازلات بالتناقض مع مصالح الوطن، هذه االتنازلات التي باتت العمود الأساس في جهودهم الرامية إلى الإستمرار والبقاء في موقع الهيمنة، موقع الفساد والإفساد.

وحتى تستقيم الموازين الوطنية تماماً، لابد من دعوة القوى المطالبة بالتغيير من خارج الطائفة العلوية، وخاصة تلك التي تنتمي إلى الأغلبية السنية، بضرورة التصدي بقوة لتلك المحاولات التي ترمي إلى الخلط القصدي بين واقع وجود الطوائف في سورية وبين النزعة الطائفية المنبوذة التي رعاها واعتمدها النظام وسيلة لبلوغ مآربه سواء في الداخل السوري أو المحيط الاقليمي. ولعلنا لانكشف النقاب عن سرٍ جديد إذا ما أشرنا في هذا المجال إلى تحالفه - تحالف النظام – الاستراتيجي مع النظام الإيراني، ومحاولاته الحثيثة من أجل تسويق المشروع الطائفي في لبنان عبر حزب الله، الأمر الذي سيلحق أفدح الخسائر بالطائفة الشيعية اللبنانية ذاتها قبل الأخرين. إذ أنها ستتحول من قوة وطنية أصيلة لبنانية قادرة على التفاعل الفاعل البناء مع المشروع الوطني اللبناني، إلى مشروع انعزالي يلتزم بالأوامر القادمة من وراء الحدود في لعبة سلطوية استخباراتية، لاتنسجم مع مصالح شعوب المنطقة بقومياتها وأديانها ومذاهبها المتعددة...

إن الطائفة شيء والطائفية شيء آخر. القومية شيء والقوموية أو القومجية - حسب التعبير الشعبي - شيء آخر. وجود الطوائف والقوميات أمر قائم في واقع الحال، لايعد عيباً أو نقصاً بل ثراء وازدهاراً في حال وجود المشروع الوطني الحقيقي، هذا المشروع الذي من شأنه تمثّل وحماية الجميع على أساس احترام الخصوصيات، والالتزام بالحقوق والواجبات، بموجب عقد وطني عام، يمهّد لبروز دولة القانون والمؤسسات، ويحول الرعايا إلى مواطنين لا يخشون من أي اعتداء على حقوقهم وحرياتهم وأرزاقهم وكراماتهم...