اجتياح موجة الهستيريا الجماعية للبلدان العربية والإسلامية إثر نشر رسوم كاريكاتيرية في صحيفة دنيماركية قبل ثلاثة أشهر، حصلت مزايدات على الإسلام وبالأخص من قبل الأنظمة الفاشية التي استغلت المناسبة لتصفية حساباتها مع الغرب. وأشد هذه المزايدات أتت من النظام السوري، المعروف بعدائه للإسلام، والذي قتل في أسبوع واحد أكثر من ثلاثين ألف مسلم في مدينة حماة في السبعينات من القرن المنصرم بحجة مؤامرة لقلب نظام الحكم من قبل حزب الأخوان المسلمين. فأيهما أكثر إهانة للإسلام وضرراً عليه، رسوم كاريكاتيرية تافهة منسية قبل ثلاثة أشهر، أم قتل ثلاثين ألف مسلم ونسف دورهم على رؤوس عائلاتهم؟ وهل خرجت حتى ولو مظاهرة واحدة في العالم الإسلامي احتجاجاً على زهق أرواح ثلاثين ألف مسلم؟ الجواب: كلا! بل مرت المأساة وكأن شيئاً لم يكن! كذلك قام جزار العراق بقتل 300 ألف مسلم عراقي في انتفاضة آذار 1991 ونشر المقابر الجماعية في العراق وقتل ما يقارب ربع مليون من الأكراد في عمليات الأنفال وحلبجة، وحرق 5000 قرية في كردستان العراق، فهل تحرك الضمير العربي والإسلامي؟ الجواب، مرة أخرى ليس بالنفي فحسب، بل وكانت هذه الحكومات ومعها شعوبها المغلوبة قد باركت للجلاد جرائمه بحق الإنسانية. ونحن إذ نسأل، أليس ذلك إهانة للإسلام أكثر من هذه الرسوم الكارتونية؟ إن دل هذا على شيء، فإنما يدل على موت الضمير، وفقدان الوعي، في العالمين العربي والإسلامي.

أجل، لقد طلع علينا النظام السوري يذرف دموع التماسيح على الإسلام. فالمعروف عن هذا النظام أنه ليس علماني مستبد فحسب، بل أثبت أنه فاشي وعنصري بكل معنى الكلمة ومعادي للأديان بحكم آيديولوجته القومية العنصرية المنافية للتعاليم الإسلامية والديانات السماوية الأخرى، ولا يختلف قيد شعرة عن توأمه البعث العراقي المقبور في عدائه للأديان وحقوق الإنسان. فكما أعلن البعث الصدامي في التسعينات حملته الإيمانية المزيفة لركوب الموجة الإسلامية، كذلك يقوم البعث السوري اليوم باللعبة ذاتها في ركوب الموجة الإسلامية فيعلن عن حماسه المنافق وحرصه الزائف على الإسلام وارتكاب الجرائم باسمه. ففي هذه الظروف بالذات، حيث راح المجتمع الدولي يضيق الخناق على عنق النظام السوري بسبب تورطه في اغتيال الشهيد رفيق الحرير، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، وشخصيات سياسية أخرى وسلسلة من الأعمال الإرهابية في لبنان ودوره المكشوف في دعم الإرهاب في العراق، استغل هذا النظام الفاشي مشاعر الناس البسطاء، فقامت مخابراته بدفع الجماهير المغلوبة على أمرها إلى ارتكاب جريمة الهجوم على السفارتين، الدنيماركية والنرويجية، وإشعال الحرائق فيهما.

فيا ترى، سوريا تريد أن تخدع من؟ والكل يعرف أن النظام السوري هو نظام بوليسي تسيِّره المخابرات الحزبية، بل الحزب كله تحول إلى جهاز مخابرات، ولا يمكن لأية جهة القيام بأية مظاهرة أو عمل جماهيري في الشارع بدون موافقة ودعم من هذه الأجهزة الحكومية، ناهيك عن أعمال مخلة بالأمن وخاصة ضد السفارات الأجنبية التي هي في حماية الدولة المضيفة. فهذه الأعمال الإجرامية ضد السفارتين المذكورتين هي من أعمال المخابرات السورية يقيناً، ولا يمكن تنفيذها إلا بموافقة رئيس الجمهورية.

وهذه لعبة باتت مكشوفة، وإذ تحاول الحكومة تبرئة نفسها وإلقاء اللوم على الجماهير، فهي لا تخدع إلا نفسها ولا تضحك إلا على غبائها وسذاجتها. إن اللعبة السورية هذه في استغلال مشاعر الجماهير ضد الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة، هي بحد ذاتها كاريكاتير مضحك يكشف غباء النظام ومدى سذاجة القائمين بها. فبمثل ما انكشف دور سوريا في عمليات الاغتيالات ضد الشخصيات السياسية والإعلامية في لبنان عن طريق التحقيق الدولي، فلعبة حرق السفارات فضيحة مكشوفة وحتى لا تحتاج إلى أي تحقيق، بل هي معروفة للجميع من مجرد معرفتنا لطبيعة هذا النظام الدموي الفاشي.

وقد تكررت لعبة الاعتداء على السفارات في بيروت، وذلك لأننا نعرف أن سوريا رغم سحب قواتها من لبنان رغماً عليها بقرار مجلس الأمن الدولي 1559، إلا إنها وبعد حكمها للبنان لثلاثين عاماً، تركت جيشاً من الجواسيس والمخربين، المدربين على التخريب وخلق القلاقل في لبنان، ناهيك عن المليشيات الشيعية لحزب الله والتي تدين بالولاء للنظام السوري وحليفه النظام الإيراني. فالأعمال المضادة للسفارات الأجنبية في بيروت تحمل بصمات النظامين، السوري والإيراني، بدون أي شك. إن الأعمال البلطجية التي يقوم بها النظام السوري ضد الغرب ستكون لها نتائج كارثية وخيمة عليه. وليعرف هذا النظام البلطجي أن مصيره سوف لن يكون بأفضل من مصير توأمه البعثي العراقي.

ويجدر التأكيد هنا على أسباب إثارة قضية الرسوم السخيفة الآن رغم مرور ثلاثة أشهر عليها، وكما أشار إليها كل من الصديقين، الدكتور شاكري النابلسي والدكتور عزيز الحاج، وهي: أولاً، فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وتهديد الغرب لها بقطع المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية ما لم تتخلى عن العنف وتعترف بالاتفاقيات السابقة وحق إسرائيل في البقاء، ثانياً، إحالة الملف الإيراني النووي إلى مجلس الأمن، وثالثاً، وأخيراً، تضييق الخناق الدولي على النظام السوري. لذلك عمل هؤلاء ومعهم المنظمات الإرهابية والأصولية المتشددة على إثارة مشاعر الجماهير في العالم الإسلامي، لابتزاز الغرب والقيام بأعمال غوغائية ضده والتي ألحقت أشد الأضرار بسمعة الإسلام والمسلمين وأعطت للعالم انطباعاً أن الشعوب الإسلامية لا تعرف التعامل مع العالم بالوسائل الحضارية، وأن الإسلام فعلاً صار دين الإرهابيين.

إن هذه الأعمال الإجرامية ضد السفارات لا يقوم بها إلا الأنظمة المارقة البلطجية الخارجة على القانون الدولي والتي تعرف أنها منبوذة من قبل المجتمع الدولي فاقدة لاحترام الجميع. فقد قام بهذه العملية النظام الإيراني بالهجوم على السفارة الأمريكية بعد ثورة الخميني عام 1979، ونهبوا محتويات السفارة واختطفوا جميع موظفيها وأبقوهم في الأسر لمدة 444 يوماً، وهو عمل شنيع مخالف لجميع الشرائع السماوية والقوانين الدولية. ولكن كيف تفهم هذه الأنظمة التي لا تعرف سوى البلطجة ويتصرف حكامها كما لو كانوا عصابة من قطاع الطرق تسلطوا على رقاب ومصائر شعوبهم التي لا حول لها ولا قوة. فبسلوكهم هذا، يعتقد هؤلاء الحكام (الشقاوات) أنهم سيرغمون الغرب للاستجابة إلى مطالبهم. إنهم واهمون وعلى خطأ قاتل. فلينظروا إلى ما حصل لغيرهم من الحكام المارقين من أمثال صدام حسين والطالبان ونورييغا وغيرهم كثيرون. فليفهموا أنهم يقودون شعوبهم إلى الكارثة وحتماً سيلاقون ذات المصير الذي انتهى إليه كل شقي في التاريخ.