عيسى المهنا(جريدة قاسيون)

بمقاييس ومؤشرات علمية لواقع اقتصادي حددت مؤخراً وبأهداف وغايات نطمح إليها مستقبلاً على المستوى الاقتصادي تظهر فجوة لا يمكن تجاهلها بين الطموح والواقع يحددها كمياً كل من معدلات النمو المحققة في السنوات الأخيرة ( والتي وصلت في أحسن أحوالها إلى 2.5%) ومعدل نمو سكاني تراوح بين 4.2% في نهاية التسعينات و2.4% في نهاية عام 2004 ( والذي يلتهم مؤشرات النمو الاقتصادية حتى يعدمها ) ومعدلات بطالة وفق إحدى الدراسات الأكاديمية في سورية تجاوزت 15% * وغاية نطمح للوصول إليها لاقتصاد أصبح النهوض به ضرورة ملحة واعتبرت نسبة 7% مقياساً نسبياً لهذا الطموح ومعدلاَ سنوياً هدفاً لابد من الوصول إليه على مدى سنوات قادمة , ولا بد من ضخ استثمارات تصل إلى 950 مليار ليرة سورية على مدى خمس سنوات قادمة إضافة لمواردنا المقدرة بـ 850 مليار ليرة سورية .(إن هذه الأرقام والمؤشرات دراسة لواقع اقتصادي راهن قام بها فريق اقتصادي في سورية) .

هذا التجاذب بين قطبي الواقع والطموح يدفعنا لإنتاج تصورات متلونة بين إفراط في التفاؤل لتحقيق الطموح وسوداوية لاحتمالية الفشل في الوصول للهدف المأمول وما بينهما من احتمالات مفتوحة لمستقبل ضبابي على الأغلب. هذا البحث المشروع للحل يأخذنا للتفكير الجدي لوضع أسس علمية للخروج من مأزق قادم مهما تجاهلنا احتمال وقوعه ويدفعنا بقوة لوضع إطار وإن كان نظرياً ومثالياً لحل مفترض لكنه واقعي مبني على أسس علمية رياضية نظرية عناصره الموضوعية متوفرة أصلاً بين أيدينا يحكمها ويحكمنا الواقع والطموح بضرورات أهمها :

- تحقيق نسبة نمو تصل إلى 7% على الأقل بفترة خمس سنوات أو أقل إن أمكن.

- الزمن الواجب تحقيق الأهداف خلاله محدود جداً ومكلف وفق معادلة الكلفة المضاعفة للزمن.

- يجب أن تكون احتمالية الفشل أو الإخفاق معدومة لأن أي خطأ يعني عودة لما قبل نقطة البداية.

يأخذنا الإطار النظري السابق للمعطيات الثلاث وما يدور في فلكها لحل أوحد حتمي نحو طريق واقعي عناصره المتوفرة بين أيدينا تفرض علينا استبدال معدلات النمو السابقة ذات النموذج الرياضي الخطي والوتائر المنخفضة وتحويلها إلى معدلات عالية تفوق الوتائر السابقة وتحقق الأهداف المرسومة , وتأخذ وتائر النمو ضمنه شكلاً أسياً جديداً يحل مكان النموذج الرياضي السابق يحقق وتائر نمو عالية ضمن فترات قياسية احتمالية الفشل والخطأ فيه تكون معدومة . يجسد هذا النموذج اقتصاد نمو أسي يمثله اليوم اقتصاد المعرفة (الجديد كعلم بمقاييس نشوئه زمنياً) يحدد بمرحلتين تاريخيين متفاوتتين بخصوصيتهما :

الأولى : قديمة قدم التاريخ تتكون عملياً من جملة عناصر مختلفة تتناسب مع تاريخيتها تتجسد حواملها المعرفية بالعادات والتقاليد واللغة والتراكم المعرفي في المجالات المختلفة البيئية والجغرافية والتاريخية والمعمارية والجمالية والاجتماعية والاقتصادية والصناعية والطبية وغيرها من التراكمات المعرفية غير المنتهية والمتوفرة حتى الآن والتي ما زالت تحكمنا بطابعها ونعيش في ظلها ضمن إطارها المعرفي التاريخي التراكمي حاملة بين طياتها بعداً اقتصادياً يمكن استثماره وطنيا ًبحسن إدارة وإرادة.

الثانية : حديثة تمتد لعدة عقود مضت بدأ حديثاً وضعها في إطار علمي منذ 1962 يمثلها جملة من العناصر تتمثل في العلم والعلماء والجامعات ومراكز البحث المختلفة التي تحقق ما يسمى التراكم المعرفي والذي يقود لإنتاجية وتائرها عالية في قطاعات الإنتاج المعروفة ويمتاز هذا التراكم المعرفي بأنه بدأ يصيغ شكلاً من أشكال رأس المال غير الملموس( رأس المال المعنوي ) ذو القيمة المرتفعة جداً.

أمام هذين الخيارين ولعدم قدرتنا لتحقيق المعرفة بأبعادها الحديثة وبغياب القدرة الإستراتيجية والتخطيطية والعلمية لاستثمارها الذي يعكسه ضعف الإنفاق على مستويات التعليم المختلفة الذي ينعكس بدوره على نوعية المخرجات وضعف ميزانيات المؤسسات العلمية وغياب شبه كامل لمراكز البحث العلمي ومؤسساته والأهم من كل ما سبق تلاشي ميزانية البحث العلمي كنسبة مئوية من الناتج الإجمالي المحلي والتي يجب أن لا تقل عن 2.5% لتضمن الاستمرار والتشغيل والإنتاج والتي هي أقل 0.7% بكثير عربياً وتعتبر هذه النسبة غير منتجة هذا بدوره يؤدي لحالة هدر مالي يرصده مثال معبر يمثله إعداد مهندس دون أن توفر إمكانية لتأمين فرصة عمل باختصاصه أو تأمين مؤسسة تحتضنه للاستفادة من طاقاته وعلمه ومعرفته مما يؤدي بالنتيجة لهدر مالي كبير يعكسه ظاهرتا الهجرة والتغريب الداخلي للاختصاصين والمهنيين في سورية.

بهذا الواقع غير المتمكن يبقى البديل اقتصاداً معرفياً رأسماله معنوي معتمد على الخصوصية التاريخية والجغرافية للبلدان والمناطق ومنها سورية بكل مناطقها ومدنها وقراها متمثلً بأنواع المعارف المتبقية فيها والتي تحمل بعداً اقتصادياً يمكن الإفادة منه ومن أدق تفاصيله لتحقيق قفزة نوعية تنجز فعلاً للواقع وتنقذه ومنها المعرفة المحلية والتقليدية والترابطية والحميمية والتراكمية والمتأصلة واللغوية وغيرها... والتي يجسدها مثلاً على الصعيد هذه المعارف مجتمعة الآثار المترامية في أطراف سورية وما تحمله من مقومات ذاتية وغنى يدفعها لأن تكون حالة استثمارية بكلفة معدومة إذا ما تخيلنا المردود الممكن تحصيله ونذكر مثلاً ما قاله أحد علماء الآثار الألمان بعد أن زار تدمر: (التي تختصر وتجسد تاريخياً المعرفة بمختلف أنواعها ) أعطونا تدمر وخذوا ما نملك من صناعات ثقيلة في ألمانيا هذه المقولة تظهر اقتصادياً ولو بشكل نسبي القيمة المادية الحقيقية لهذه الثروة الأثرية الاقتصادية غير المستثمرة التي تساوي بدون أدنى شك مليارات من الدولارات غير المستثمرة بفرض أن الصناعات الألمانية الثقيلة تساوي مليارات فقط . ونقيس على ذلك أوغاريت وعمريت وبارة وسيرجلة وسمعان العامودي وبصرى و....

ومن باب أخر وضمن نفس الإطار فصناعة الغار مثلاً تملك مقومات اقتصاد معرفي يمكن أن يحقق برأسمال معنوي وتائر عالية للنمو وذلك لأنها تمتلك جملة من المقومات والخصوصيات التي تتفاعل مع جملة من الوقائع لتعطي نتائج مبهرة كشجرة الغار المتوفرة في سورية وصناعة استخراج الزيت منها متوفرة كمعرفة تراكمية عبر الأجيال كحوامل للمعرفة والأهم أنها تستطيع أن تحقق جودة عالية لا يدخل مكوناتها إلا مواد طبيعية خالصة وهذا النوع من المنتجات مرغوب عالمياً في ظل العودة للتعامل مع المنتجات الطبيعية ( إذا ما خضع لمقاييس علمية في التصنيع والتسويق ). ولا تملك أي بقعة في العالم هذه المقومات لهذه الصناعة لتنافسنا فيها ويعني هذا أن أسواق العالم تكون مفتوحة أمام منتجنا بالسعر الذي يحدده مستوى الطلب. ومثال أخير نستطيع أن نوظفه كاقتصاد معرفي هو الدراما السورية رغم أنها تتشابك مع الحديث والقديم لاقتصاد المعرفة خاصة وأن مقوماتها متوفرة في سورية في هذه المرحلة فإنتاج مسلسل تلفزيوني يكلف 15-20 مليون ليرة سورية ينجز خلال ثلاثة أشهر يحقق ربحاً قدره 10 مليون ل.س خلال ثلاث سنوات أي ما يقارب 22% سنوياً ومئات الأمثلة والتي إذا ما فعلت واستغلت لاستغنينا عن حاجتنا للتمويل الخارجي الذي نحن بحاجة إليه لتحقيق 7% معدلاً للنمو ونكون قد استفدنا من خواص التراكمية واللاتنافسية للمعرفة والتي يمكن أن تحقق طموحنا وغاياتنا والعودة عن إهمال العامل الثانوي المهمل في حساباتنا الاقتصادية والذي من الممكن أن يكون منتجاً ومؤثراً بل وحاسماً في التطور الاقتصادي .

فالنجاح في إدارة اقتصاد المعرفة يتحدد تبعاً لتنظيمها وشكلها وإدارتها وقدرتنا على التقاط عناصر جديدة من هذه المعرفة توظف لغاياتها تدعم متطلباتنا وحاجاتنا المتزايدة. وتخرجنا من التداخلات العالمية للاقتصاد على مستوى العالم بعد أن أصبحنا طرف متأثر ومسير على حساب فاعليتنا وتأثيرنا بالآخرين .