لم يكن صعباً، من خلال لقاءات أجرتها <<السفير>> في باريس وشملت مسؤولين في قصر اليزيه ووزارة الخارجية ومجلس الشيوخ ومحللين وباحثين في مراكز دارسات ومعاهد استشراق، الاستنتاج بأن الخيار الفرنسي الوحيد في التعامل مع سوريا في الوقت الراهن هو الضغط، باتجاه إيجاد التسوية المطلوبة في الملف اللبناني.

وبرغم أن ثمة من لا يتفق مع هذا التوجه تماماً في باريس، فقد حدّدت السياسة الفرنسية لنفسها خطاً قريباً من الخط الأميركي في ملفات إقليمية ودولية عديدة، الأمر الذي يؤكد حدوث انقلاب أبيض في السياسة الخارجية الفرنسية.

وفي الجزء الأخير من هذه الجولة، يجري التركيز على العلاقات الفرنسية مع سوريا ولبنان، معاً وكل على حدة، سابقاً وحاضراً، وذلك في ظل التاريخ المشترك أولا، والمصالح المتضاربة ثانياً، انتهاء بالتحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتداول الأفكار حول طبيعة التغيير الممكن في سوريا.

يرى المستشرق الفرنسي هنري لورنس أن العلاقة مع هذين البلدين ترتكز على الإرث والمصالح معاً، وأنه في الوقت الذي تجتمع في لبنان عناصر انتمائه للمنظومة الثقافية الفرنسية، فإن سوريا، التي سبق أن تمتعت بهذا الإرث، عملت سياستها القومية العربية على الحد منه.

ويضيف لورنس أن ذلك ما دفع الفرنسيين، عبر عقود التاريخ الحديث، إلى حماية إرثهم الثقافي في لبنان من الدول المجاورة. يضيف أنه يمكن أيضا <<بشكل معاكس حماية لبنان عبر إقامة علاقات جيدة مع الدولتين المجاورتين>>. ويستشهد لورنس بالعلاقات <<الممتازة بين إسرائيل وبين فرنسا في الخمسينات، حيث كان لبنان حينها يتمتع بحماية من اي عدوان إسرائيلي>>.

ويعتبر لورنس أن العلاقات السورية الفرنسية كانت دوماً صعبة. ويقول إن <<هذه العلاقات تنتقل كل عام أو عامين من حالة إلى أخرى>>، إلا أن هذه السياسة أخذت توجهاً محدداً منذ عامين أو أكثر إثر الرغبة في زيادة النفوذ الفرنسي في المنطقة.

يقول مصر فرنسي إن ملفات كثيرة تنتظر الحسم، أهمها <<ترسيم الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية مع سوريا، ووقف التدخل السوري في الشأن اللبناني، ونزع سلاح حزب الله>>. يضيف بأنه على المبعوث الدولي تيري رود لارسن أن يؤدي دوراً جدياً بهذه الشأن، كما أن على سوريا ولبنان أن تنظما علاقات وثيقة على قدم المساواة نظراً للقرب الهائل بين الشعبين.

ويتابع المصدر نفسه أن أي موعد لم يحدد بعد لنزع سلاح حزب الله، مشيراً إلى الحساسية التي تربط لبنان بمجمل الملفات المحيطة به.

ويوضح المصدر نفسه أن <<ما يجري في إسرائيل وفلسطين وسوريا والعراق وإيران يؤثر في لبنان، وحتى الإرهاب السلفي السني يؤثر على لبنان>>. ويصنف هذا المصدر حزب الله كحركة اجتماعية سياسية وكميليشيا تتحكم بها سوريا وإيران، من دون أن يغفل الإشارة إلى أن بعض أعضائها قاموا <<بأعمال إرهابية>>.

ويشير المصدر إلى أن الحجة المستخدمة هي أن هناك أراضي يجب تحريرها، هي مجرد <<تركيبة>>، معتبراً أن حل مشكلة حزب الله يجب أن يتم عبر كل من لبنان إسرائيل وسوريا.

وفي السياق، لا يضيع المسؤولون الفرنسيون فرصة في الدفاع عن مهنية التحقيق في اغتيال الحريري، وضرورة اختتامه بشكل كامل. ويقول مصدر دبلوماسي فرنسي إن فرنسا مهتمّة وحريصة على استقلالية عمل رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتز، وعلى أن يدعمه مجلس الأمن، مشيرة إلى أنها تقدّم الدعم اللوجستي اللازم لعمله.

فرنسا والعامل الداخلي يعيد المحلل السياسي جوزف باحوط التذكير بما يسمّيه خيار السلم الداخلي إلى التدخل الخارجي بالنسبة لفرنسا، ويذكر أن <<5 ملايين مسلم كانوا في الحسبان حين رفضت فرنسا الحرب على العراق، فاختارت السلم الداخلي على حساب السياسة الكبرى>>.

ويذكر باحوط معلومة لافتة بأن صحيفة فرنسية لم يسمّها نشرت منذ شهرين تقريراً للاستخبارات الفرنسية الداخلية يقرع ناقوس الخطر في بريطانيا وفرنسا على المدى القريب. ويقول إن المجموعات الأصولية وضعت القرار 1559 في المرتبة الثانية بين أسباب المواجهة مع فرنسا (باعتبار أنها التحقت بالحملة الصليبية على المنطقة) فيما كان أول الأسباب الحجاب.

ويتابع باحوط أنه ربما أصبح بالإمكان، مع موضوع الرسوم الكاريكاتورية التي أشعلت العالم الإسلامي، تذكير فرنسا باللحظة التي اختارت فيها سلامها الداخلي بدلاً عن المشاكل الخارجية. ويضيف أن فرنسا تأخذ بالحسبان جيداً قدرة سوريا على نقل المعارك الموجّهة ضدها إلى ساحات أخرى (لبنان، العراق، فلسطين)، وأن ذلك يجب تقديره مع كافة العناصر السابقة، التي تجعل سوريا جزءاً من معادلة إقليمية معقدة قد يكون لبنان حلقتها الأضعف.

أما في السياق الداخلي الفرنسي، فيحذّر منظرون آخرون من مغبة الرهان على مرحلة ما بعد الرئيس جاك شيراك، كون موضوع التحقيق أصبح دولياً، ناهيك عن تأكيد الدور الذي يمكن أن تؤديه المساهمة المقدرة مستقبلاً لمال النائب سعد الحريري لمصلحة مرشح دون آخر.

وهنا يبدو لافتاً ما قاله رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بيار هنري غودشيان بأنه <<سيكون من الخطأ وضع كل البيض في سلة واحدة>>، مشيراً إلى أنه من <<الأفضل أن يكون للدولة أكثر من شريك واحد>> في إشارة إلى لبنان وسوريا معاً.

وفي السياق، يكثر حديث، يتخلله الحذر، في موضوع تغيير النظام في دمشق، حيث أصبح لافتاً التداول الرائج لصيغة الدولة الطائفية، كامتداد للتجارب المماثلة في العراق ولبنان.

ويستبعد خبير في الشأن السوري أن ينجح طرح كهذا في سوريا، معتبراً أن دور سوريا الحالي قائم على أساس قومي لا طائفي. ويرى أن المطلوب حالياً هو <<استقرار عدم الاستقرار>> الذي <<يقوّي الضعف>>.

ويتفق معه آخرون أن ما تشهده المنطقة الآن <<شبيه بسايكس بيكو>> جديدة تعتمد مبدأ الأكثريات الطائفية في مواجهة أكثريات طائفية أخرى.

وفي هذا الإطار، أقام معهد العلاقات الدولية في باريس ورشة عمل بحضور خبراء عن مستقبل النظام في سوريا خرجت بثلاثة سيناريوهات، قالت مصادر إنها رفعت للخارجية الفرنسية، وهي تتراوح بين ضربة الأمر الواقع، أي قيام شيراك والرئيس الأميركي جورج بوش بضربة قاصمة قبل نهاية فترتهما الرئاسية، وذلك على أثر نقل سوريا المعركة إلى خارج حدودها، أو تحرّك حاسم من داخل النظام، والثالث هو حالة الشلل التي يمكن أن تبقي سوريا منشغلة بالإبقاء على تماسك دولتها.

ويقدر محللون في باريس أن النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام جزء من هذه الصورة باعتبار أنه برغم <<الوساطات السعودية والمصرية فإن خدام يتحرك بحرية، وهذا يؤكد أن فرنسا ليست حريصة على النظام والنزعة التدخلية ليست غائبة تماماً>>.