صار واضحا، انه كلما تقدم التحقيق الدولي ،واقترب موعد التقرير الخاص بجريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري،كلما ازدادت حدة التسريبات في الاتجاه المعاكس.لقد حفلت الأيام القليلة الماضية بتشويش من نوع خاص، هدفه اشاعة الاحباط، وزرع البلبلة، من خلال الأيحاء بأن الفترة الماضية من التحقيق مليئة بالثغرات القانونية والسياسية.وقد وصل البعض حد القول:" إن الرئيس الجديد للجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتز، فوجئ بنقص الأدلة في جريمة الاغتيال...وأنه بدا على قناعة بأن التحقيقات والمحاكمة التي ستعقبها، قد تستغرق سنوات".

هناك عدة ابعاد للرسالة التي يراد إيصالها من خلال هذا الكلام، الذي ينسب الى مصادر لبنانية قريبة من لجنة التحقيق: البعد الأول،هو أن التقرير الذي قدمه الرئيس السابق للجنة التحقيق "ديتليف ميليس" يفتقر كثيرا الى المصداقية. وهذا استنتاج يذهب مباشرة ليصب في رصيد الموقف السوري من التقرير،ويسير في سياق عملية التضليل التي لعبتها الاستخبارات السورية، من خلال زرع الشهود المزيفين، مثل هسام هسام وميشيل جرجورة وغيرهم. وقد سبق للسلطات السورية أن أعلنت رسميا بطلان تقرير ميليس. لكن القاضي الألماني لم ينجر الى لعبة الاتهامات، التي وصلت حد التجريح الشخصي،وواصل عمله باحتراف ضمن الحدود المتاحة له، حتى نهاية المهلة التي حددها لنفسه،ووضع نتائج تحقيقه أمام مجلس الأمن، الذي كلف القاضي برامرتز بمتابعته.وهاهو يعمل بصمت منذ مطلع العام، وسيقدم قريبا الجزء الأول من تقريره عن الفترة الماضية، التي اتسمت بعدم التعاون السوري مع اللجنة.

أما البعد الثاني للرسالة، فهو القول إن الافادة التي ادلى بها النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام للقاضي ميليس لم تقدم جديدا،رغم انه تم على اساسها استجواب الضباط اللبنانيين "الاربعة" مرتين خلال الاسبوعين الماضيين،الأولى من قبل النائب السابق لرئيس اللجنة الألماني غيرهارد ليمان،والثانية من قبل المحقق العدلي اللبناني الياس عيد. إن التشويش في هذا الاتجاه يهدف هو الآخر، الى خدمة الموقف السوري من التقرير،وذلك في وقت لم تتسرب فيه أية تفاصيل تتعلق بشهادة خدام من جهة،ومن جهة ثانية هو عدم ملاحظة ان هذه الشهادة تختلف بالضرورة عن بقية الشهادات الأخرى،كونها تركزت على الآلية التي يتخذ فيها القرار في سوريا. وواضح هنا ان الذين يقفون وراء هذا التشويش،انما ينطلقون من تحليل لبعض الأحاديث الصحافية التي تحدث فيها خدام عن اغتيال الحريري،وهو هنا لم يجزم،وترك للمحكمة مهمة توجيه الاتهام وتقديم الأدلة،ورغم انه قال في اكثر من حديث انه على ثقة بأن الرئيس السوري بشار الأسد، هو الذي أعطى الأمر باغتيال الحريري،فإنه ترك الأدلة للمحكمة التي يجري العمل على تشكيلها،وصار أمر اعلان صيغتها وشيكا جدا. إلا ان خدام بدا في كل الأحوال واثقا من أن:"بشار الأسد سينتهي الى السجن".

يكمن البعد الثالث في التحرك الذي شرع به الرئيس اللبناني اميل لحود للدفاع عن نفسه، بوجه تحرك قوى 14 آذار الهادف الى اطاحته.وبدأت الأوساط القريبة من لحود حملة من التسريبات،التي تقول ان قوى 14 آذار تعمل دون توقف على تشويه صورته، بعدما فشلت محاولة ادانته بجريمة اغتيال الحريري.واعتبرت مصادر لحود إن التصعيد الأخير مرده الى وجود مؤشرات على اتجاه لجنة التحقيق مع رئيسها الجديد، الى البحث في احتمالات أخرى غير تلك التي كان يعمل عليها حصرا القاضي ميليس. والمقصود هنا امرين:الأول،ابعاد التهمة عن لحود. والثاني ، ذهاب التحقيق في اتجاه آخر بعيد عن الدوافع السياسية.وفي هذه الحالة فإن تبييض صفحة لحود يعني تلقائيا، تبرئة الطرف السوري من دم الحريري.وتحويل الأمر الى تحقيق جنائي! ليس مصادفة أن يتم كل هذا التسريب في وقت صار البعض يروج لمقولة ان ادارة"قوى الاكثرية" للموضوع الرئاسي، من البابين الدستوري والشعبي، وصلت الى طريق مسدود نسبيا،وان الرهان على مجلس الأمن "غير مضمون النتائج"،وبالتالي فإن المخرج العربي هو الوحيد المتاح أمام "الأكثرية"،ومن هنا فإن المنتظر خلال الاسابيع المقبلة، هو عودة التحرك العربي على خط العلاقات السورية اللبنانية.

لايهدف هذا الترويج لاشاعة الاحباط فقط،وثني "الاكثرية" اللبنانية عن خطتها السياسية والشعبية لتقصير ولاية لحود،بل تعويم الوضع السوري من جديد،وذلك من خلال الايحاء بان هناك مبادرة حوارية مصرية سعودية لمعالجة الموقف،بمافي ذلك تقصير ولاية لحود.! هذا دون أن ننسى ،بالطبع، التحركين القطري والسوداني الداخلين على خط الأزمة بقوة من بابين دولي واقليمي. والملاحظ هنا هو أن تحرك قطر والسودان اتسم في الآونة الأخيرة بانحياز ملفت للموقف السوري،سواء من خلال التصريحات الرسمية، أو عبر الطريقة التي يجري من خلالها النظر الى الأزمة.إن المفروض بالاشقاء الذين يتوسطون،أن يكونوا قد أخذوا العبرة من دروس الأزمة اللبنانية منذ اندلاعها في سنة 1975.ولا يفوت أحد أن الشرط الأساسي لنجاح أية وساطة،هو أن يحتفظ الطرف الذي يقوم بها بمسافة تصل حد طمأنة أطراف الخلاف.وهذا ما لانلحظه على الاطلاق في غالبية المبادرات العربية في الآونة الأخيرة، منذ مبادرة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى في نهاية العام الماضي بعد اغتيال جبران تويني،وحتى التحرك القطري السوداني الأخير.والطريف في الأمر أن الوسطاء يتكلفون الحرص على ايجاد حل يرضي الطرفين،ويجنب المنطقة أزمة جديدة على حد تعبير وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم. لكن المسألة، في الحقيقة، باتت بعيدة عن هذه المقاربة، لأن المشكلة لم تعد محصورة بين سوريا ولبنان. فمنذ تشكيل اللجنة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال الحريري في نيسان/ابريل من العام الماضي،صارت القضية بين سوريا والمجتمع الدولي،وليس بوسع لبنان التدخل في مجراها العام حتى لو قرر التنازل عن حقه الشخصي في مايتعلق بدم الحريري.

إن الحديث عن مساعي الاشقاء يقودنا حكما الى المرور على مظاهر التضامن العربي مع سوريا.في الامس القريب شهدت دمشق مؤتمر المحامين العرب،واليوم هاهي تشهد مؤتمر الاحزاب العربية.والمفارقة هنا ان هذه التظاهرات تلتئم تحت شعار"نصرة سوريا ولبنان" لكنها تضج بمديح "وطنية" القيادة السورية،والتنديد ب"التآمر" الذي يحيكه فريق من اللبنانيين ضد سوريا.ولا أريد هنا أن أدافع عن اللبنانيين فهم اقدر على ذلك،بل أود لفت انتباه هؤلاء الاشقاء الذين يأتون للتضامن الى اننا نراهم ونسمعهم،وهم بعملهم هذا انما يساهمون في اطالة ليلنا فقط،ويكرسون أنفسهم محامين للاستبداد والطغيان. إنه من المؤسف جدا، ان يتحول هؤلاء الذين من المفترض بهم ان يكونوا حملة رايات القضايا العربية،الى "محميات" للمافيات الحاكمة في دمشق.