يبدو تعليق جلسات الحوار لمدة اسبوع مبرراً، وواضح ان الهدف منه هو الافساح في المجال امام مزيد من الاتصالات سعيا الى التفاهم على ما هو مختلف عليه من جهة، وتأمين الاجواء الملائمة لانجاح الخطوات العملية لما اتفق عليه، من جهة أخرى. من العلاقات اللبنانية – السورية الى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الى تحسين الظروف المعيشية لسكانها، الى تثبيت لبنانية مزارع شبعا، كلها عناوين كبيرة تتطلب تحركا لبنانيا واتصالات عربية ودولية اقلها مع الامم المتحدة والسلطة الوطنية الفلسطينية ودمشق.

واذا كان الاجماع على لبنانية مزارع شبعا مهما جدا، وهذا اساسا لم يكن محل خلاف، فان تثبيت لبنانيتها هو الاهم، وهذا ما دعا اليه رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط وكثيرون غيره. فالاجماع وحده لا يكفي، بل ان من الضروي تأكيد الشرعية الدولية للبنانية مزارع شبعا، وقد اجمع المتحاورون على "تأكيد دعمهم الحكومة في جميع اتصالاتها لتثبت لبنانية المزارع وحدودها وفق الاصول المتبعة لدى الامم المتحدة". ولدى الحكومة اللبنانية الكثير من المستندات والوثائق التي تساعدها في مهمتها وخصوصا لدى الأمم المتحدة وكلها تؤكد أن المزارع جزء لا يتجزأ من الاراضي اللبنانية استنادا الى خط الحدود المرسوم قبل 83 عاما (1923) والى تأكيد موثق من الحكومة السورية قبل 60 عاما (29 ايلول 1946) كما تؤكد ان كل اراضي تلك المزارع تعود الى لبنانيين بموجب سندات ملكية صادرة عن الجمهورية اللبنانية محافظة الجنوب – دائرة صيدا العقارية، ومعلوم في العرف الدولي ان لا دولة في العالم يحق لها اصدار سندات ملكية لأراضٍ خارجة عن نطاق سيادتها.

وقد احتل الاسرائيليون مزارع شبعا في حرب حزيران 1967 (خمس مزارع في الخامس والعشرين منه وطرد اهاليها بعد تدمير منازلهم واتلاف مزروعاتهم) وفي نيسان 1989 احتل الاسرائيليون ما تبقى منها وهي مزرعة بسطرة وطردوا اهاليها. ومن المستندات التي ارسلتها الحكومة اللبنانية الى الامم المتحدة عام 2000 وتؤكد لبنانية المزارع نسخة من وزارة الداخلية اللبنانية في تاريخ 10 تشرين الاول 1961 الى وزارة الخارجية عن "تقرير اللجنة الخاصة المشكلة من لبنانيين وسوريين رقم 605 تاريخ 12 ايلول 1961 التي بحثت في اجتماعها المنعقد في القنيطرة في 8 ايلول 1961 في الوضع على الحدود اللبنانية – السورية اثر التعديلات والاختلافات الحاصلة بين اهالي شبعا ورجال قوى الامن السوريين.

وجاء في التقرير الذي وضعته اللجنة ان البحث تناول قضية مزارع شبعا الآتية: زبدين، فشكول، القرف، الربعية، كفر دورة، مراح الملوك، جارة قفرة، خلة الغزال، رمتا، بيت البراق، برعشيت، جوزة العقارب وجميع سكانها لبنانيون ويملكها لبنانيون.

وقد وردت ضمن الحدود السورية بسبب خطأ مطبعي وقع على الخريطة التي اعتمدها الجانب السوري اساسا للبحث. كما ان القاضيين العقاريين السيدين عدنان الخطيب (سوري) ورفيق الغزاوي (لبناني) اللذين كلفا تخطيط الحدود اثبتا في تقاريرهما ان المزارع تقع ضمن الحدود اللبنانية، مع العلم بأن وزارة الخارجية والمغتربين اشارت في مذكرتها رقم 2733/ س تاريخ 9 آب/ 1946 الى ادخال اللجنة الاولى لعمليات التحديد والتحرير في الجولان (قضاء القنيطرة) مزارع عدة تابعة لقرية شبعا اللبنانية في نطاق عملها. كما انها احتجت على اتصال هذه اللجنة مباشرة بمختار القرية ولفتت السلطات السورية الى ان المادة 10 من القرار رقم 186 الصادر في 15 آذار 1926، لا تجيز للجنة المذكورة ادخال مزارع لبنانية في نطاق عملها.

وردت الخارجية السورية على المذكرة اللبنانية بأن عمل اللجنة هو: "عمل فني بحت لم يكن يقصد منه تعديل حدود او ادخال مزارع، بل هو امر تحتاج اليه الدولتان ولا ينتج اي مفعول قانوني". (مذكرة الخارجية السورية رقم ق 574 (124/ 53/) تاريخ 29 ايلول 1946".

"توضيح" سوري قبل 60 عاما...

وفي كتابين من وزارة الخارجية السورية الى وزارة الخارجية اللبنانية قبل نحو 60 عاما تأكيد ان "الخلاف الذي كان قائما على الحدود قد سُوّي منذ أمد"، وان "الحجار الموضوعة ضمن الاراضي اللبنانية ما هي الا مثلثات لا علاقة لها بتعيين الحدود"، وهنا نص الكتاب الاول:

"تهدي وزارة الخارجية السورية تحياتها الى وزارة الخارجية اللبنانية، وبالاشارة الى كتابها رقم 2723/س المؤرخ 12 آب 1946 حول اعمال اللجنة الاولى للتحديد والتحرير في الجولان (من قضاء القنيطرة) تتشرف بأن تنقل اليها ما أبلغتها اياه الدوائر المختصة من ان الخلاف الذي كان قائما على حدود قريتي شبعا (اللبنانية) ومعز الشبعة السورية قد سوي منذ أمد، الا ان فرقة المثلثات السورية كانت وضعت حجارا مثلثة في الاراضي اللبنانية لربط شبكة المثلثات بين البلدين، وهذا عمل فني بحت لم يكن يقصد منه تعديل حدود او ادخال مزارع، بل هو أمر تحتاج اليه الدولتان ولا ينتج أي مفعول قانوني. وقد كان رئيس الفرقة المذكورة ارسل الى مختار قرية شبعا كتابا يرجو فيه المحافظة على هذه الحجار لان السكان اقتلعوا قسما منها اعتقادا منهم بأنها تتعلق بالحدود، وكتب القاضي العقاري الناظر في قضايا الحدود الى القاضي العقاري اللبناني ورجاه افهام الاهلين ذلك ويقول انه فعل.

ترجو وزارة الخارجية السورية ان يكون هذا كافيا لتبرير عمل لجنة التحديد والتحرير في منطقة الجولان التي تعتذر عن اتصالها المباشر بمختار قرية شبعا وتغتنم هذه المناسبة لتعرب عن فائق احتراماتها".

وجاء في الكتاب الثاني: "تهدي وزارة الخارجية السورية تحياتها الى وزارة الخارجية اللبنانية وجوابا عن مذكرتها ذات الرقم 1979/ق المؤرخة 10 كانون الاول 1946 المتعلقة بمسح بعض المزارع اللبنانية ضمن الاراضي السورية، تتشرف باعلامها ان القاضي العقاري في دمشق أجاب ان الحجار الموضوعة ضمن حدود الاراضي اللبنانية ما هي الا مثلثات ليس لها أدنى علاقة بتعيين الحدود الدولية وان وجودها ضروري من الناحية الفنية لربط المساحات، كما ان فرق المسح اللبنانية نفسها قد وضعت ضمن الاراضي السورية مثل هذه الحجار.

ان وزارة الخارجية السورية التي تنقل الى الزميلة الكريمة جواب الدوائر المختصة في هذا الشأن تــنــتــهــز هذه المناسبة لتعرب لها عن فائق احترامها".

وفي المستندات والوثائق ايضا، والتي من المفترض ان تكون متوافرة في محفوظات وزارة الخارجية وفي أرشيف بعثة لبنان الدائمة لدى الامم المتحدة، الكثير مما يمكن ان يساعد الحكومة على تأكيد لبنانية مزارع شبعا امام العالم، ومن هذه المستندات:

– كتاب المديرية المالية للجمهورية اللبنانية في تاريخ 15 تشرين الثاني 1946، الذي يورد نص مذكرة وزارة الخارجية السورية رقم 574 (124) 53 بتاريخ 29 ايلول 1946 الموجه الى وزارة الخارجية اللبنانية والمشار اليه في مذكرة لبنان الى الامانة العامة للأمم المتحدة في تاريخ 12 ايار 2000.

- مذكرة وزارة الخارجية السورية الى وزارة الخارجية اللبنانية رقم ق 72 (325/53) في تاريخ 29 كانون الثاني 1947، توضيحا من الدولة السورية حول مسح بعض المزارع اللبنانية في شبعا.

- احالة المذكرة السورية من وزير الخارجية اللبناني في تاريخ 7 آذار 1947 الى وزير المال اللبناني في تاريخ 12 آذار 1947 ومنه الى الدوائر العقارية اللبنانية لأخذ العلم.

وفي كل هذه الوثائق تأكيدات سورية ان تلك المزارع لبنانية وان "وضع حجار المثلثات داخل الاراضي اللبنانية لا علاقة له بتعيين الحدود الدولية وان شبكة المثلثات بين البلدين هي عمل فني بحت لم يكن يقصد منه تعديل حدود او ادخال مزارع شبعا ضمن الاراضي السورية".

وفي المستندات ايضا مذكرتا اعتراض لبنانيتان الاولى تحمل الرقم 281 في تاريخ 3 نيسان 1944 على قيام فرق من دائرة المساحة السورية بمسح منطقة مغر الشباعنة التابعة لبلدة شبعا اللبنانية، والثانية في تاريخ 27 ايلول 1946 "لقيام فرق من المساحة السورية بادراجها في المسح العقاري"، وأدتا الى توافق نهائي سوري – لبناني على اعتبار مزارع شبعا لبنانية ضمن حدودها العقارية المعتبرة دولية