قبيل صدور بيان "جبهة الخلاص الوطني" في سوريا صدر تصريح من كل من قطبيها يعطينا التصورين الآتيين: الأول أنهما قد دخلا في ملكوت الغيب وعلما بما لا يحق لبشر العلم به، وهو أن سنة 2006 هي سنة نهاية عائلة الأسد في الحكم في سوريا، وأن حدثاً كهذا يتطلب تجهيز البنية التحتية البديلة لإدارة شؤون البلاد وعدم الوقوع في فوضى الفراغ السياسي الذي سينجم عن الانهيار الكبير.

الثاني: أن تقويم الأخ أبو أنس (علي البيانوني) لطبيعة المرحلة التي نعيشها يعتمد على ما يمكن تسميته "الإخوان مانيا" (الناس يدخلون في حركة الإخوان المسلمين أفواجا في العالم العربي، ويكفي حدوث انتخابات حرة في أي بلد عربي أو إسلامي لتتسلم الحركة مقاليد الأمور).

من هذين التصورين، يمكن، على الأقل من الناحية الحسابية الذرائعية الضيقة، أن نفهم، كيف يضحّي المراقب العام لـ"حركة الإخوان المسلمين"، بما يمكن تسميته "سنوات الاندماج في الحركة الوطنية الديموقراطية السورية" من أجل تحالف "ضد الطبيعة" مع أحد مهندسي سياسة استئصال "الإخوان المسلمين" في سوريا والمسؤول، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن ملفات أساسية للفساد والاستبداد. في اجتماع ليس فيه من كلمة الجبهة إلا الاسم، كونه لم ينجح في استقطاب أي رمز من رموز المعارضة وأي قوة من قواها السياسية والمدنية الفاعلة.

لله والتاريخ، لم تكن مسيرة بناء الجسور بين "حركة الإخوان المسلمين" والديموقراطيين السوريين سهلة. وكان لحقوق الإنسان والسجن دور مهم في العملية. حقوق الإنسان لأن بعض أسمائها دافعوا عن ضحايا حركة الإخوان ونشأت عبر ملفات القمع علاقات إنسانية وجسور ثقة سمحت بلعب دور الوسيط هنا وهناك بين الحركة الوطنية الديموقراطية في الداخل وحركة الإخوان كتنظيم محصور، لأسباب معروفة، في الخارج. السجن كذلك سمح للضحايا باكتشاف أنهم بشر أولا ومحرومون من حرية رأيهم ثانيا وضحايا تعذيب وتنكيل ثالثا ومنتمون لحركات سياسية مختلفة رابعا.

كانت "حركة الإخوان المسلمين" قد تحالفت مع السلطات العراقية في الثمانينات، أي سنوات اعتقال معظم قيادات الحركة الوطنية الديموقراطية داخل سوريا، وبالتالي كان ثمة شبه قطيعة بين النضج الداخلي وما يحدث خارج البلاد. وقد توافق تبني حركة الإخوان لبرنامج ديموقراطي في ظل دولة مدنية حديثة مع تنامي الحركة المدنية الاحتجاجية داخل البلاد. ويمكن القول، أنه وبالرغم من غياب التنسيق المباشر، جاء "إعلان دمشق" كلحظة توافق كبيرة بين اللحن السياسي داخل البلاد وخارجها بين الخطابين العلماني والإسلامي من أجل التغيير.

كانت الإدارة الأميركية دخلت على الخط بتعبيرات طفيلية عدة اعتبرتها ورقة ضغط صالحة لكل زمان ومكان أكثر منها أداة تغيير للسلطة.

وفي حين كان الزلزال العراقي فرصة إعادة اعتبار للسلطة السورية التي صارت في الوعي الجماعي صمام السلم الأهلي في وجه الفوضى، جاء الزلزال اللبناني ليغير الأوراق وينقل الأنظار من شرق سوريا إلى غربها.

لكن لبنان ملف معقد، وعلاقة الطبقة السياسية التقليدية اللبنانية بالشعب السوري أكثر تعقيدا (...) المعارضة الديموقراطية السورية تحترم أشخاصا مثل سمير قصير، رغم خلافها حينا ولقائها أحيانا معه، أكثر بكثير من قدماء المدافعين عن عرين النظام الأمني السوري(...)

لقد أنتج الاستبداد الداخلي والاستعباد الخارجي من جهة، تفككا هائلا في المعايير والقيم والأواليات النضالية، ومن جهة ثانية غباوة سياسية لا سابق لها تظن بأن بابا نويل موجود، وهو ليس مجرد طالب لبناني يتكسب عيشه من استئجار الثوب الأحمر لأخذ الصور مع الأطفال أمام غاليري لافاييت في ليالي العيد في باريس، بل هو ثائر حقيقي، مهدي العولمة الذي سيملأ الأرض حرية وكرامة بعد أن ملأتها الحكومات المستبدة المحلية جورا وفسقا.

باختصار شديد، السيد عبد الحليم خدام(...)، متيقن بأن رأس السنة الميلادية المقبل سيكون في دمشق وعلى أنقاض عدويه فاروق الشرع وبشار الأسد. وقد أقنع أكثر من شخص بذلك. وفي كل الأحوال، فشهادته في قضية الحريري ستكون حاسمة قاصمة.

المشكلة ليست في هذا التهريج السياسي لشخص كان الأجدر به، كما نصح الصديق رياض الترك، أن يعتزل العمل السياسي بعد كل ما فعل.

المشكلة أن المعارضة السورية تخسر اليوم وحدة رمزية نجحت في تحقيقها إثر "إعلان دمشق" بعد ربع قرن من الأوجاع. ولا أدري كم سنحتاج، لإعادة جسور الثقة التي ضعضعتها بروكسل.