للمرة الأولى في تاريخ الدولة السورية ومنذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 يتم تعيين امرأة في منصب رفيع هو نائب رئيس الجمهورية، إذ أصدر الرئيس بشار الأسد مرسوما قضى بتسمية نجاح العطار، وزيرة الثقافة السابقة نائباً لرئيس الجمهورية مفوضة بمتابعة تنفيذ السياسة الثقافية في إطار توجيهات رئيس الجمهورية, وبذلك تكون سورية سجلت خطوة ريادية على المستوى العربي لناحية إعطاء دور قيادي للمرأة.

والمفارقة أن العطار هي شقيقة المراقب العام السابق لتنظيم الاخوان المسلمين عصام العطار وهو تنظيم معارض للسلطة السورية، وخاض مواجهات مسلحة معها بداية الثمانينات، لكن نجاح العطار وحسب سيرتها والمواقع التي شغلتها في الحكومة بدت مختلفة مع خيارات شقيقها السياسية. وللحقيقة، فإن السيدة العطار وخلال عملها وزيرة للثقافة لربع قرن (1976-2000)، استطاعت أن تقدم الكثير للمشهد الثقافي في سورية، كما حازت على احترام كبار المثقفين السوريين وعملت معهم مثل صديقها الفيلسوف الراحل انطون المقدسي الذي تولى ترجمة امهات الكتب العالمية . في هذا السياق، ثمة من رأى أن في القرار السوري شيئا من «الشكلانية» في وقت يمر به النظام بحالة عصيبة ويقع تحت سيف الضغط والعزلة الدولية ، لن نجيب لأن السيدة العطار الموافقة على هذا التحليل، وقالت «الخيار يقع على الاكفأ, كما ان المرأة في وضع جيد منذ زمن بعيد, وتجاوزنا المرحلة التي نتحدث فيها عن خطوات شكلية»,

من هنا، لا بد من التذكير أن الخطوة لاقت ردود أفعال إيجابية في الشارع السوري، خصوصاً وأن العطار بذلت جهودا كبيرة لتحسين الحالة الثقافية في سورية وكانت بقرب المثقفين والكتاب والفنانين الذين يقف غالبيتهم باحترام لهذه السيدة طالما وقفت بجانبهم وساندتهم وقدرت جهودهم لخدمة ورفعة الثقافة السورية . لكن ورغم ريادية الخطوة على المستوى العربي ثمة ملاحظات تتعلق بوضع المرأة السورية عموماً وبخاصة للناحية القانونية واستمرار العمل ببعضها، في هذا الصدد اخبرتني الصديقة صباح الحلاق وهي ناشطة في «رابطة النساء السوريات» ان «الخطوة تنسجم مع قرار الأمم المتحدة في يوم المرأة العالمي الذي أكد على ضرورة أن تمثّل المرأة في مواقع صنع القرار», لكنها لاحظت ان «القرار يثبت أن المرأة السورية قادرة على تبوؤ جميع المناصب من دون استثناء، لكن نحن نرى أن ذلك يجب أن يترافق مع خطوات أخرى تعالج القوانين التمييزية ضد المرأة التي ما زالت موجودة في بعض القوانين السورية، وذلك من أجل أن تستطيع المرأة المساهمة في عملية التنمية الشاملة للبلاد».

وللحقيقة، فإن الدستور السوري ومقارنة ببقية الدساتير العربية يعتبر سباقا في ما يخص حقوق المرأة وخصوصاً حقوقها الانتخابية والسياسية، فالمرأة السورية حتى لوكان تمثيلها السياسي في مجلس الشعب وعلى مستوى مجلس الوزراء يبدو شكلانيا للبعض وخاضعا للاعتبارات الايديولوجية التي أتى بها حزب «البعث» منذ فترة مبكرة في الستينات، فإن وضع المرأة السورية يعتبر ربما الأفضل، إضافة لشقيقتها التونسية، على المستوى العربي, لكن رغم ذلك ثمة معوقات اجتماعية وقانونية ما زالت تمنع تحقق مشاركة فعلية للمرأة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية,

هنا، لا بد من الاعتراف بأن السعي إلى تغيير وضع المرأة وإحقاق حقوقها لا بد أن ينطلق أولاً من تغيير مواد قانون الأحوال الشخصية وبعض مواد قانوني العقوبات والجنسية، التي تعتبر المرأة إنساناً غير كامل الأهلية، وتحرمها الكثير من حقوق المواطن، وتتعارض أصلاً مع مواد الدستور التي تساوي بين «المواطنين كافة», لا بل ان جملة القوانين الموجودة وحسب الواقع العام ثبت أنها غير كافية وحدها للنهوض بواقع المرأة، إن لم يصحبها تطبيق حازم ، هذه القوانين التي طالما تم تغييبها لصالح أعراف وعادات وتقاليد مستمدة من النظام الأبوي، الذي ما زال يحتفظ بسلطته الخاصة تجاه المرأة والطفل، لا بل انه وفي بعض المناطق والأرياف البعيدة يبدو أقوى من الدين والقانون,

كذلك ورغم انضمام سورية إلى اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة إلا أنها قد تحفظت على بعض المواد الواردة في الاتفاقية لتعارضها مع أحكام الشريعة الإسلامية, كذلك ما زال نحو 25 في المئة من النساء يعانين من الأمية، إضافة لأن حالات الطوارئ الاسعافية الناجمة عن استخدام العنف ضد المرأة لا تعد ولا تحصى، واضافة الى تدني نسبهن كقوة عاملة ( 16,6 في المئة) وغالبيتهن تعملن في الزراعة، كذلك فإن الاوضاع الصحية الخاصة برعاية النساء متدنية، وقانون الاحوال الشخصية يعتبرها وكأنها غير مكتمل الشخصية، إذ يضعها تحت وصاية الرجل (الولي) من الولادة وحتى الممات ويفتقد المساواة في قضايا الارث، اضافة الى التصنيف غير العادل لجرائم الشرف في قانون العقوبات. وفي دراسة أعدتها لجنة من المتخصصين القانونيين السوريين ظهرت بعض الفجوات المتعلقة بالتشريعات السورية مقارنة واتفاقية "السيداو" الدولية المتعلقة بأوضاع وقضايا المرأة ، وخصوصاً منها الفجوات المتعلقة بالتشريعات التي تعود إلى أواخر أربعينات القرن الماضي المتأثرة بالتشريعات العثمانية والعادات والتقاليد السائدة في تلك المرحلة كتشريعات الأحوال الشخصية ،وبعض المواد الموجودة في قانون العقوبات وقانون الجنسية وغيرهما, وهذه الأحكام التي تنتقص من حقوق المرأة تتعارض مع أحكام الدستور، مثلما تتعارض مع أحكام اتفاقية «السيداو».

وهذه الفجوات المتعارضة مع الاتفاقية العالمية موجودة في قانون العقوبات، وتحديدا في المواد التي تنظم جريمة الزنا، وجرائم الاعتداء على العرض وما يعرف بجرائم الشرف وتنظيم الأسرة والإجهاض، فالاتفاقية الدولية تنص في المادة التاسعة، الفقرة الثانية على: «تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل في ما يتعلق بجنسية أطفالها» أما الفجوة في قانون الجنسية السوري فهي موجودة في المادة ثلاثة التي تنظم الحق بالجنسية العربية السورية بحكم القانون, أيضاً تنص الاتفاقية الدولية في المادة 15 ـ الفقرة الرابعة: «تمنح الدول الرجل والمرأة الحقوق نفسها في ما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم», أما الفجوات الموجودة لدينا فهي في الأمر الدائم لوزير الداخلية رقم 876 لعام 1979 وفي مواد قانون الأحوال الشخصية التي تحدد حركة المرأة ولو كانت راشدة كالمادة 148.

كذلك ثمة فجوات في قانون الأحوال الشخصية في المواد التي تنظم الولاية في الزواج وتعدد الزوجات كذلك في المادة 16 فقرة( ب) والفقرة (ج) إذ تنص على الحق في اختيار الزوج وفي عدم عقد الزواج إلا برضى المرأة الحر الكامل وترى الحقوق والمسؤوليات الشخصية نفسها أثناء الزواج وعند فسخه, أما الفجوة فهي موجودة في قانون الأحوال الشخصية التي تنظم حق الكفاءة، وفي المواد التي تنظم الزواج وانحلال الزواج وتخل في المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والمسؤوليات, هذه بعض من الفجوات القانونية التي ما زالت موجودة في القانون السوري والتي تتعارض مع الاتفاقية الدولية بهذا الشأن، وإذا ما أضفنا تلك التجاوزات المتعلقة بالعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية إذ تسيطر ثقافة المجتمع الأبوي وأخلاقيات الذكورة على السوريين عموما، يضاف بؤس الى بؤس. لكن رغم من ذلك ,,,لا بد من التصفيق بحرارة لقرار تعيين سيدة سورية في منصب نائب الرئيس، والخطوة إن دلت على شيء انما تدل على أن طريق الاصلاح مازال مفتوحا رغم كل الصعوبات والضغوطات التي فرضت على سورية منذ اعوام. هنيئا للسيدة العطار وللمرأة السورية ولسورية,