يستقيل العقل في بلد كسوريا ويترنح المنطق ويغدو كل شئ بالمقلوب !! في حديث إذاعي لمعاون وزير الصحة, يؤكد بثقة خلو سورية من أية إصابة بذلك المرض العابر للمحيطات والأمصار. وفي تأكيد الثقة, تصريح أخر لمسؤول أممي يؤكد ما أكده المسؤول السوري (منظمة الصحة العالمية).

يحار العقل ويذهب بعيدا في استقالته: هناك تواطؤ ومؤامرة, والا كيف يمكن تفسير خلو سوريا من أية إصابات مع وجودها في بلدان راقية كالسويد وسويسرا والدنمارك، ناهيك عن دول الجوار المحيطو أجمعين؟!

لا تتوفر من الإجابات إلا إجابة قدرية واحدة: "سوريا الله حاميها". ليتم التأكيد من جديد, ليس استقالة العقل فقط وإنما محوه وإزالته كاملا. في محافظة صغيرة كمحافظة الرقة "يأتيك بالأخبار من لم تزود". مصابين تقاطروا إلى المشفى الوطني الكبير من مدن كتل أبيض وسلوك وأماكن أخرى, علم فيما بعد أنهم غادروا إلى الرفيق الأعلى بصورة مفاجئة ولم يعرف فيما إذا كان سبب الوفاة, أنفلونزا الطيور أم جنون البقر أم أنفلونزا قانون الطوارئ أم كريب حاد سببه نقص أوكسجين الحرية؟ عودتنا السلطات السورية أن سرها "بئر بلا قرار" وأن أية معلومة يجب فلترتها في فلتر مسودة قانون الأحزاب ومرجعياته الثلاث الشهيرة, والا اتهم من سربها بنشر المعلومات الكاذبة ووهن عزيمة ونفسية الأمة مع ما يستتبع ذلك من المثول أمام محكمة أمن الدولة وبدء حلقات المسلسل المكسيكي ذي الخطط الخمسية الطويلة الأجل.

هذا فيما يتعلق باستقالة العقل وترنح المنطق. يكابد علم أخر في بلد كسوريا وهو ماانفك منذ بدء الخوف من زقزقات العصافير الجميلة وهجرة الطيور القادمة, يعيد النظر في نظرياته ومراجعتها تمحيصا وتدقيقا, انه علم الاقتصاد. كيف ذلك ؟ في قانون العرض والطلب الشهير يمكن التنبؤ عبره بمعرفة حجم الكميات التي ستنتج, كذلك منحى الأسعار وبالاعتماد عليه يتعرف علماء اقتصاد أخر الميول والأذواق والاتجاهات.

يرتج ذلك القانون ولا يعرف خطه البياني انحدارا أو صعودا, فمرض أنفلونزا الطيور يؤكد في كل دول العالم التي زارها أن الطلب على "الفروج والبيض" سيتناقص مما يؤدي إلى انخفاض في الأسعار, ولإعادة التوازن ينخفض العرض من السلعة ليتناسب مع الطلب حيث يعود السعر إلى وضع التعادل. هذا لا يحدث في سوريا. فرغم خطورة المرض وفتكه وإقصاءه بأكلة لحوم الدجاج إلى العالم السفلي, فان الطلب – نستطيع أن نؤكد عبر بعض الملاحظات و الاستقصاءات – إن لم يزدد فقد بقي على حاله – أتحدث عن مدينة الرقة – . فيما يتعلق بالعرض والسعر بقيا على حالهما, ربما مع تسجيل انخفاض طفيف.

هذه المعطيات تجعل المحلل الاقتصادي يفتش عن قوانين جديدة تفسر له دوافع سلوك المستهلك السوري من مثل اليأس والإحباط واللامبالاة والفقر (سمعت أشخاصا كثيرين يقولونها بتذمر: بالجهنم, نخلص من هذه الحياة. في معرض ردهم على ناصحيهم حلما يشاهدونهم يأكلون البيض المقلي أو المسلوق !!) وهذا يؤكد ما يذهب إليه النظام السوري حول " خصوصيتنا السورية " ليس فيما يتعلق فقط بالديموقراطية وحقوق الإنسان وإنما يندرج في السياق ذاته أنفلونزا الطيور وقدرة الفرد السوري على تحدي هذا المرض وقهره وهذا ناجم بالطبع عن جهاز المناعة القوي الذي اكتسبه وأحاط به نفسه وقدرته العجيبة على التكيف مع أمراض فتاكة أخرى لا تقل بشاعة عن ذلك المرض من مثل: أنفلونزا البعث وأنفلونزا الفساد وأنفلونزا خدام وقدورة ورفعت وأسماء أخرى لا تعدّ ولا تحصى أجبن من أن أذكرها الآن كيلا أقع في المحظور ومن جديد السين والجيم وأنفلونزا الانفلونزات تحقيقات رجال المخابرات, وتلك أترك مهمة فضحها إلى مجلس شعبنا الوقور في قادمات الأيام. الفقراء في سوريا والذين يشكلون السواد الأعظم من الشعب السوري لم ينقطعوا عن أكل البيض تحديدا لأنه الأرخص مقارنة مع سلع أخرى هازئين من المرض المسمى " أنفلونزا الطيور " واثقين في ذات الوقت أن أجسادهم قادرة على طرد كل الانفلونزات الخبيثة. يريدون لنا أن نبقى بعيدا عن المساهمة في مائدة الحضارة. ألا يسجل لنا كسوريين أننا قهرنا المرض و كذلك (...) خصوصية مائدتنا ؟!!!!