كادت القمة العربية التي انعقدت في الخرطوم تمر من دون أن يشعر بها أحد (مثل غيرها الكثير من القمم)، لولا السجال الذي حصل بين رئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة حول <<كيفية>> التعبير عن <<دعم>> القمة في بيانها الختامي لحق لبنان في المقاومة. ان ما جاء في النص الرسمي يؤكد على ان <<المقاومة هي تعبير صادق عن حق الشعب اللبناني>>، فيما اقترح السنيورة استبدال العبارة ب<<التأكيد على حق الشعب اللبناني في تحرير أرضه والدفاع عن كرامته>>. ورغم التباين الظاهر بين التعبيرين أو الصيغتين، الذي اعتبره البعض بمثابة انقلاب على المقاومة وبالتالي على دور <<حزب الله>> فقد بدا واضحا انه شكل <<رجع صدى>> للسجال او للنقاش الدائر على طاولة الحوار في بيروت. أما القادة العرب فمنهم من ظل منشدّاً الى الصيغة التي اعتاد، عن حق، ان تدرج في المواقف الرسمية المعلنة، والبعض الآخر لزم الصمت غير مدرك لما جرى ويحصل من تطورات في لبنان...

وقد انعكس السجال في الخرطوم فورا، وفي طبيعة الحال، مواقف متضاربة شاجبة أو مؤيدة في هذا الاتجاه أو ذاك. فمنهم من اعتبر أن رئيس الحكومة تعمّد نقل السجال الى القمة العربية كي يؤكد على عدم شرعية لحود أمام الرؤساء العرب وإفهامهم ان الحوار الدائر، تعني تفاهماته وتلزم كافة الأطراف اللبنانية، وهذا برأي أوساط <<الاقلية>> أساء الى لبنان والى مقاومته.

فيما اعتبر البعض الآخر ان لحود سعى لتعويم نفسه عبر احراج قمة غاب عنها <<الكبار>> الذين يعملون وراء الكواليس لاقناع سوريا بالتخلي عن <<وديعتها في بعبدا>>، كما يرى أحد أقطاب <<الأكثرية>> الذي رأى في كلام لحود مزايدة حتى على <<حزب الله>>، رابطا بقاءه باستمرار المقاومة المطروح سلاحها كبند أساسي على طاولة الحوار بموافقة <<حزب الله>> نفسه. وهي محاولة برأيه لنسف عملية الحوار عبر ربط مسألة استقالته بموضوع المقاومة، وإلا فلماذا لم يتكلم أيضا عما تم الاتفاق عليه بالاجماع على طاولة الحوار عن مسألة التمثيل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا وعن موضوع ترسيم الحدود بين البلدين وعن ضرورة تثبيت لبنانية مزارع شبعا... وتلفت أوساط مقربة من الصرح البطريركي الى امتعاض البطريرك نصر الله صفير الذي أعاد تسليط الضوء فور عودته أمس من الفاتيكان، ومن على أرض المطار، على مسألة تثبيت لبنانية مزارع شبعا عبر وثائق وفي الأمم المتحدة، مؤكدا انه غير كاف ان يعلنه المسؤولون السوريون في هذا الخصوص، وسأل الله <<ان يلهم فخامته ما فيه خير لبنان وابنائه...>>.

وبغض النظر عن هذا السجال، الذي صعّد من حرارة الموقف المحلي، يبدو واضحا ان هناك نوعا من <<المراوحة في الوقت الضائع>> بعدما انتقل عمليا ملف الرئاسة الى الرياض والقاهرة اللتين نصحتا <<قوى 14 آذار>>، وخاصة رئيس <<كتلة المستقبل>> سعد الحريري بالتروي، وأخذتا على بعضهم <<الاستعجال>> في تداول اسماء مرشحين وتقديم بعضهم على آخرين ما دامت مسألة استقالة لحود لم تجد حلا لها بعد...

وتتساءل بعض المصادر عما اذا كانت <<الطبخة>> أصبحت على نار حامية، وهل بات في مقدور العاصمتين العربيتن فعلا اقناع دمشق بالتخلي عن لحود؟

ان كل المعطيات تشير الى ان الأمور تتحرك ببطء شديد نظرا لتطورات اقليمية، من العراق الى فلسطين، ومن ايران الى اسرائيل، حيث أدخلت تعديلا في الأولويات وقدمت ملفات على أخرى. وهذا ما أراح بدون شك سوريا التي تراهن على عامل الوقت، وربما، كما تعتقد المصادر نفسها، على فتح ثغرة في جدار العلاقة مع الولايات المتحدة التي تسعى لاطلاق حوار مع ايران، يؤدي ربما الى ادخال النظام السوري على الخط بعدما قدم أكثر من اثبات على استعداده للتعاون في العراق. وبدا لافتا في هذا المجال الاشادة بالسياسة الايرانية من قبل السعودية التي تبدي قلقا شديدا مما يجري في العراق ومن مخاطر حرب أهلية وانقسام مذهبي بين السنة والشيعة مؤشره <<الكباش>> الحاصل حول رئاسة الحكومة وتركيبتها بعد مضي نحو ثلاثة أشهر على الانتخابات التشريعية العراقية...

وتتوقف المصادر عند تعمد دمشق اصدار بيان عن <<ناطق سوري>> في مؤتمر القمة ينفي بموجبه اللقاء السريع الذي حصل بين السنيورة والرئيس السوري بشار الأسد، وما جرى خلاله من طلب رئيس الحكومة اللبنانية زيارة دمشق، معتبرا ان ما حصل هو مجرد مصافحة بينه وبين الرئيس السوري. وهل من الصعب خلال المصافحة طلب تمنّ بزيارة العاصمة السورية وطلب تحديد موعد لها؟ وهل كل ما صدر عن وزير الخارجية السوري وليد المعلم في حديثه الى <<السفير>> وفي تصريحات أخرى، يعكس فعلا نية لدى النظام السوري بفتح صفحة جديدة أو البدء على الأقل بداية تعاط ايجابي؟

لقد اعتبر أكثر من قطب في <<الأكثرية>> ان ما قاله المعلم هو <<تدخل واضح في الشؤون الداخلية اللبنانية عندما يطالب بقانون انتخابي يعتمد المحافظة والنسبية>>. وما قاله ايضا بخصوص مزارع شبعا (<<ليست لبنانية ولا سورية، انها محتلة، وبعد تحريرها سنرى...>>) هو تراجع حتى عن تصريحات سابقة للاسد والشرع حول لبنانية المزارع.

لكن السؤال اللغز المفصلي في كل ما جرى، يبقى: لماذا ذهب فؤاد السنيورة الى مؤتمر القمة، ما دام الأسد ولحود، بحسب ما أفاد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، قد اتفقا على عدم إدراج بند العلاقات الثنائية على بساط البحث <<لا من قريب ولا من بعيد>>، وأن لدى السوريين <<حساسية مفرطة (!) تجاه تدخل أي طرف خارجي، سواء أكان شقيقا أم صديقا، في ملف يعتبر السوريون انه يخصهم وحدهم مع... اللبنانيين>>.

قبل ايام من موعد انعقاد القمة قام السنيورة بجولات مكوكية بين القاهرة والرياض للتشاور، وعاد الى بيروت وقرر في آخر لحظة التوجه الى الخرطوم. فماذا قيل له في العاصمتين، خصوصا في الرياض، وبماذا اقنعوه في ظل غياب الملك عبد الله والرئيس حسني مبارك؟