جوهان هاري لوموند_ 30/3/2006

كان ذلك منذ عدة أسابيع, وكان سطراً بسيطاً قرأته على الموقع الالكتروني لأخبارBBC : " سيارة مفخخة تنفجر في بغداد : 50 قتيلاً." بدون تفاصيل إضافية.

عندما بدأت الهجمات الانتحارية في العراق, كنت أهتف في كل مرّة لأصدقائي في بغداد, في البصرى أو الحلّة لأتأكد من سلامتهم. ولكنني سرعان ما فهمت أنهم يكرهون أن تقحم كل قنبلة في ذاكرتهم بهذا الشكل : هل سيسجلون رسالة على النمط التالي:" لا, لم أمت في هجوم انتحاري اليوم " وإرسالها لكل معارفهم ثلاث مرات في اليوم ؟ لذا قررت أن اأنتظر صحف يوم الغد لأعرف المزيد . ولكن لا أحد يتكلم عن ذلك . إن الهجمات الدموية للسابع من تموز 2005 في لندن تبدو باهتة ولا تستحق ذكرها ولو بخبر مختصر.

بعد ثلاث سنوات وعلى الأقل 150000 جثة عراقية , هل يمكن لنا , نحن الذين دعمنا قلب نظام صدّام حسين من أجل خير العراقيين , أن نؤكد أن هذا العمل كان مجزياً ؟ أستطيع أن أرى حمرة الخجل على وجوه الذين ابتلعوا طعم العذر الأولي للحرب أي أسلحة الدمار الشامل العراقية .

يصف جورج باكر , وهوصحفي عنيد يعيش في العراق وكان موافقاً على الاحتلال في البداية , يصف الموقف كالتالي : "لم يعد الناس أحرار في قول ما يفكرون به , أو الانتماء لجماعة معينة , أوارتداء اللباس الذي يحلو لهم, أو حتى السير في الشوارع بدون أن يعرّضوا حياتهم للخطر." السلطة انتقلت في الحقيقة الى ميليشيات مناهضة للديموقراطية. هؤلاء الأشخاص " يفرضون قوانينهم في المدارس والمستشفيات , يهاجمون النساء غر المحجبات, وينصبون ميدانياً محاكم تحكم بالموت باسم الشريعة. إن عصاباتهم المجرمة تحرق المحالّ التجارية التي تبيع الكحول. إنهم يثيرون أفعالاً فاشية." عندما يسألوني هل كنت على خطأ , أفكّر بصديقي العراقي المحبوس في بيته والذي قال لي :" في كل يوم أحذف اسماً من هاتفي المحمول لأن صاحبه قتل . هل قتله الأمريكيون أم الجهاديون أم الميليشيات , لن تعلم أبداً في معظم الأحيان. " وعندها فقط أجيب بنعم , لقد كنت على خطأ . وكان خطئي شنيعاً . وأملك حجّة واهية لأدافع بها عن نفسي , مثلي مثل بقية المدافعين الذين يقفون على الحباد قائلين : كان مبدأ الاحتلال صحيحاً ولكن حكومة بوش أخطأت . وتوافقني صديقة من معارضي الحرب :" هل من الصعب تخيل جورج بوش وهو يزرع نفسه في احتلال غير شرعي لبلد عربي ؟ "

وهي على حق : ليس هناك مثالية أفلاطونية في صورة الاحتلال الكامل لتبنيها . لم يكن هناك إلاّ جورج بوش , بقنابله الانشطارية , وشكل نظامه الاقتصادي , وأعذاره الواهية : لقد أملى حربه الخاصة , بطريقته , وبرائحة البنرول التي تفوح من كل أفعاله. وكان حالماً , واليوم فقط أدركنا ذلك , عندما احتسب تأثيراً ما لتوني بلير , الذي يرفض حتّى استنكار ما يحدث في معسكر التعذيب بغوانتانامو.

ومع ذلك كان كل شيء واضحاً من البداية : مع رجالات جورج بوش , كانت المصيبة مؤكدة الوقوع. ولكن من يستطيع التفكير أنه يمكن أن يستحدث ظاهرة التعذيب الشامل , وأن أكثر من 10000 شخص سوف يختفي في السجون السرية العراقية بدون محاكمة ؟ الجواب بسيط : كل الذين تابعوا الأحداث المميزة في أمريكا الوسطى لنفس الأفراد , الرامسفلديين والجون نيغروبونتانيين, في الأعوام 1980. من كان يتخيل أنهم سيستخدمون أسلحة كيميائية في مدينة مسكونة بالمدنيين وهي الفلوجة ؟ كل من يعرفون أن جورج بوش لم يوقع أي معاهدة تتعلق بالأسلحة الكيميائية وأن دونالد رامسفيلد قد زوّد بها أكبر عدد ممكن من الديكتاتورات. من كان سيواجه فكرة تقليص الاقتصاد العراقي ورفع البطالة إلى حد ال60% _ وهو الضمان لحدوث مواجهة اثنية ؟ كل من يتذكر علاج الصدمة في روسيا , الأرجنتين وآسية. من كان سيصدق أتهم سيلغون قروض إعادة الإعمار في الوقت الذي آل توزيع الكهرباء والماء إلى أسوأ من الوضع الذي كان عليه أيام صدّام حسين ؟ كل من يعلمون عدم التزامهم بإرادة الجمهور حتى في بلادهم .

بالتأكيد , كنت أعلم أن إدارة بوش أرادت قبل كل شيء أن تحكم سيطرتها الاسترتيجية على منابع النفط. ولكنّي كنت أقول لنفسي أنه من الممكن الاستفادة من الوضع لتحسين الموقف في العراق. وكنت بعد مصدواماً من زيارتي لبلد صدّام حسين , عالماً أن العراقيين يتطلعون إلى أولوية واحدة : التخلّص من الديكتاتور , ولايهم كيف.

كنت أفكر بشعب الأهوار , الذين حرموا من مياههم وجوّعوا, وأقول في نفسي لن يكون الأمر أسوأ بالنسبة لهم. مثل معظم العراقيين , لم أدرك أن حرباً مبتورة ستؤدي إلى احتلال مبتور؛ وفي بغداد متروكة للنهب, سوف يرسل الجيش لحراسة وزارة النفط , وليس المستشفيلت. وهذه هي البداية فقط.

ولكن , ما أسهل التنظير من هنا , في هدوء. إن معارضي الحرب لم يضطروا إلى مواجهة سجون التعذيب الخاصة بصدام حسين, وأنا , لست منكفئاً في بيتي , مرتجفاً , وبيدي الكلاشينكوف. .والحقيقة هذه هي الحياة اليومية لملايين العراقيين . ما عدا من قتلوا , بسبب آراء أشخاص مثلي.

واليوم , وفيما عدا توني بليروجورج بوش أعاد العالم كله التفكير بموقفه من الحرب. واليوم يؤكد إياد علاّوي , الرجل الذي أصر الأمريكان على فرضه قبل أن تقوم حركة المقاومة المدنية التي يقودها آية الله السيستاني بجعل الانتخابات اجبارية , يؤكد أن الحرب الأهلية بدأت . بعض معلّقي اليمين عندهم طرق معيبة لإلباس العراقيين الطربوش : كنّا نظن أنكم ستتصرفون مثل التشيكوسلوفاكيين , أو مثلاً تقضلون التصرّف مثل اليوغوسلاف , لامشكلة. والبعض الآخر يسرّب بصوت منخفض أن العراق كان " بحاجة لرجل مثل صدّام" ليمسك بزمامه. فقط ما أريد قوله أننا لسنا هنا بصدد حرب أهلية مثل في راوندة أو البلقان , حيث كان الجيران يمزقون بعضهم إلى أشلاء. إننا بصدد حرب أهلية مملاة من الأعلى , تديرها أقلية مكونة من ميليشيات كل منها يدّعي القتال للحفاظ على الوحدة العراقية _ ماعدا الجهاديين الزرقاويين وهم قلّة. حتّى 2003 , أكثر من 20% من الزيجات العراقية كانت زيجات مختلطة بين السنّة والشيعة. هل سينقلب الأزواج على زوجاتهم , وتنقلب الأمهات على أبنائهنّ؟

هناك حلاً يرتسم في الأفق. تدل الإحصائيات أن الجمهور يدعم معظم الميليشيات لأنها تعارض الاحتلال الأجنبي. والوسيلة المثلى لحرمان الميليشيات من هذا الدعم هو سحب قوات التحالف , ومباشرة. لقد فهم العراقيون اللعبة : تبين من تحقيق أجرته وزارة الدفاع أن 80% من العراقيين يتمنون المغادرة الفوريّة للقوات ليتمكنوا من الاهتمام بأنفسهم بالجهاديين والمتطرفين . وعلى نفس الموجة أظهر استطلاع رأي أجرته هيئة زغبي على الجنود الأمريكيين أن 72% منهم يفضلون تسريحهم خلال العام الحالي . إنها حرب سوريالية بين المحتلين وضحايا الاحتلال غصباً عنهم.

بالطبع , إن الانسحاب سيؤدي إلى فراغ سياسي تستفيد منه الميليشيات , ولكنّه واقع الحال الآن . لقد آن الأوان لترك العراق. بقي السؤال الملّح : هل ستتخلّى حكومة بوش عن البترول العراقي بعد أن أنفقت 200 مليار دولار للاستيلاء عليه , فقط لأن الشعب العراقي وجنود الولايات المتحدة يطالبونها بذلك ؟

نقله من الانديباندانت الانجليزية جولي ماركو- ظهر في عدد 20 آذار