احتلت سورية طوال العقود الثلاثة الماضية، بسبب موقعها الجغرافي ودورها السياسي، موقعا إقليميا متميزا، ربما يفوق قدراتها الاقتصادية والبشرية، وهي في ذلك تعاملت باقتدار مع الكثير من الأوراق، من مثال الورقة الفلسطينية واللبنانية والعراقية، لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. ولكنّ مشكلة سورية أنّ تغيّر الظروف الدولية والمعطيات الإقليمية حوّل هذه الأوراق من ذخر استراتيجي إلى عبء ثقيل عليها، وربما إلى تهديد لها. فالسياسة السورية التي اتسمت دائما بالمواجهة بين المثل القومية العليا وبين ضرورات الواقع، وجدت نفسها مطالبة بالاستجابة لضغوط وتحديات، وكذلك لانتهاز فرص قد لا تتكرر كثيرا.

إنّ كل مطلع على السياسات السورية، بعدما حصل من متغيّرات عالمية وإقليمية انتهت بموجبها مناخات الحرب الباردة والأهم بعد احتلال العراق وما أحدثه من تغيّرات جيو - استراتيجية، لن يجد أي جديد في حركتها الراهنة، بل ثمة استمرار وإصرار على معالم النهج القديم في تعاطيها مع المشكلات والأزمات الإقليمية.

ولكن يتضح الجديد في عمق مأزقها الراهن وانكشاف حجم الهوة على نحو فاضح بين ما تدعيه وما تستطيعه، وقد ضاق هامش مناوراتها عالميا وعربيا إلى حد لم تعهده منذ عقود وانعكس اضطرابا وارتباكا في مواقفها، لتتأرجح بين تعبئة شعاراتية لحقن روح التحدي، وبين مماطلة وتسويف ورهان على عامل الوقت وترقب ما يستجد من أحداث لعل بالإمكان تجيير بعض نتائجها بما يحافظ على الوضع القائم ويضمن أقل الخسائر والأضرار، فضلا عن إبداء مرونة عملية في تقديم بعض التنازلات إقليميا لتحسين فرص الحوار والتفاهم مع الإدارة الأمريكية، ولا بأس في هذا السياق من العزف على وتر التحذير بأن المس باستقرار سورية هو الأسوأ للمصالح الأمريكية أمام " خطورة " تيار إسلامي يتحين الفرصة للانقضاض على السلطة والمجتمع.

التغيّرات الدولية واستحقاقاتها

بعد أن شهدت العقود القريبة الماضية تفجر ثورة المعلومات والاتصالات، أضحت ‏العلاقات الدولية في ظلها أكثر تشابكا وترابطا، إلى درجة فقدان الجغرافية السياسية حدودها وتخومها الكلاسيكية. فالنظام ‏الدولي الجديد الذي تشكلت أولى ملامحه إثر سقوط جدار برلين، وتوضحت صورته أكثر مع جريمة 11 ‏أيلول/سبتمبر 2001، وتجسدت أكثر فأكثر مع الحروب الاستباقية لإدارة الرئيس بوش في كل من أفغانستان و‏العراق، أفرزت معادلة دولية جديدة. باختصار يبدو أنّ الولايات المتحدة الأمريكية في ظل العولمة، والتنافس المحموم على المنطقة ومواردها، وبعد أن خرجت عن سيطرتها قوى الإرهاب التي رعتها خلال عقود من السنين، واستخدمتها خلال الحرب الباردة لتسخين بعض الجبهات مع الاتحاد السوفياتي السابق، ونظرا لتنامي الشعور بكراهية أمريكا لدى العرب، من جراء دعمها وانحيازها الفاضح لإسرائيل، وسلوكها ومواقفها المذلة للعرب، ودعمها للأنظمة الاستبدادية العربية، بذريعة المحافظة على استقرار المنطقة، كل ذلك وغيره دفع صناع السياسة الأمريكية للنظر في تغيير استراتيجيتهم تجاه المنطقة.

وفي هذا السياق، أوصلت أخطاء السياسات السورية الحال إلى ما هي عليه، إذ كانت في معظمها استراتيجية ومميتة، وكانت نتيجة رفض صانعي قرارها الاعتراف بالمتغيّرات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة وعدم رغبتهم في تفهم الأجندة الأمريكية بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001 مما أدى إلى تدهور علاقاتها مع الإدارة الأمريكية.

فمع وصول إدارة الرئيس بوش الجمهورية ذات التوجهات اليمينية في أوائل عام‏ 2001 ‏ ورحيل الرئيس حافظ الأسد في حزيران/يونيو ‏2000‏ واندلاع الحرب الأمريكية ضد الإرهاب ‏ وأخيرا الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان/أبريل ‏2003‏ دخلت سورية، دورا ومكانة، في دائرة الاستهداف الأمريكية‏.‏ وبالنسبة لإدارة بوش الحالية فإنّ الدور السوري الإقليمي عموما، وفي لبنان تحديدا، لم يعد مقبولا ولا يستند إلى مقومات حقيقية ويعود إلى عالم موروث لم يعد قائما هو عالم الاستقطاب الثنائي خلال الحرب الباردة ولا يأخذ في اعتباره المستجدات الجديدة على الساحتين الدولية والإقليمية‏,‏ ممثلة في هيمنة الولايات المتحدة عالميا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في العام‏1991‏ وحربها ضد الإرهاب بعد ‏11‏ أيلول/سبتمبر 2001 ووجود قواتها في العراق إقليميا‏.

وقد بدأت أولي خطوات استهداف سورية - عمليا - بإصدار الكونغرس الأمريكي قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان في تشرين الثاني/نوفمبر ‏2003،‏ ورغم أنّ العراق كان الدافع وراء إصدار هذا القانون علي خلفية الاتهامات الأمريكية لسورية بدعم المقاومة العراقية وإيواء بعض عناصر النظام السابق‏,‏ وتهريب النفط العراقي، إلا أنّ لبنان كان هو السبب الرئيسي وراء المصادقة علي هذا القرار‏.‏ وهو ما أكدته السياسة الأمريكية لاحقا من خلال إصدار قرارات مجلس الأمن ‏1559‏ و 1636 1644 التي تدعو إلي انسحاب جميع القوات الأجنبية‏ وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحماية سيادة لبنان وتفكيك الميليشيات فيه، وإلى التعاون السوري " غير المشروط " مع لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.‏

فيما مضى أجمع المحللون الاستراتيجيون على ربط ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية على الحكم في سورية بحاجتها لتحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها، بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وهيمنته على لبنان بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان أمن العراق واستقراره، لكن بعد الانتخابات العراقية والنهج السلمي للقيادة الفلسطينية الجديدة، والنجاح في طي ملف الخلافات الأمريكية - الأوروبية حول العراق، ووحدة موقفيهما من تطبيق قرارات مجلس الأمن الآنفة الذكر. بعد كل ما سبق تبدو الإدارة الأمريكية أكثر تحررا من بعض أعبائها ومن حاجتها للمقايضة والتفاهم، ما يشير ربما إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية - الأمريكية عنوانها المواجهة.

ومن البديهي أنّ ثمة نوعا من الغطرسة والصلف في تعاطي إدارة بوش مع سورية، كما مع غيرها من دول العالم. ولا جدال أنه من حق أية دولة في العالم، وسورية ضمنها بالطبع، الدفاع عن حقوقها ومصالحها ورؤاها في مواجهة محاولات الهيمنة أو الإملاء الأمريكية، لا سيما إذا كانت معطوفة على السياسة الإسرائيلية.

التغيّرات الإقليمية واستحقاقاتها

كانت سورية، منذ أربعينيات القرن الماضي، مسرحا تتصارع عليه وحوله الأدوار من قبل أطراف عربية ودولية، ذلك الصراع الذي كان محركا لانقلابات عديدة شهدتها سورية في تلك الفترة‏.‏ لكن منذ مطلع السبعينيات نجحت في بناء دور إقليمي بارز ارتكز على مقومات عديدة وظروف مواتية،‏ وتمثلت مهارة الرئيس الأسد الأب في ملء فراغ القوة الناشئ في المشرق العربي عقب غياب مصر بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل وتورط العراق في الحرب مع إيران‏.

ولم تؤثر نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي السابق كثيرا على الدور السوري بل علي العكس،‏ فحاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مشاركة سورية في تحالفها ضد العراق في حرب الخليج الثانية، من أجل تأمين شرعية عربية للحرب، جعلها تتغاضى عن توسيع الدور السوري في لبنان، وطوال التسعينيات نجحت سورية في أن تصبح أحد أضلاع مثلث القيادة في النظام العربي إلى جانب مصر والسعودية، واستمرت في تحالفها مع إيران في الوقت الذي حافظت فيه علي شعرة معاوية مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس كلينتون الديمقراطية. ولكن، منذ خريف العام 1998 بدأ الفقدان السوري للأوراق الإقليمية، مع خسارة ورقة أكراد تركيا من دون الحصول على أي مقابل في ظرف أزمة كادت تنذر بحرب بين البلدين، فيما لم تستطع سورية في عام 2003 أن تلعب دورا بالأزمة العراقية وحربها شبيها بما لعبته بالأزمة الكويتية وحربها، بل خرجت خاسرة من اللعبة لتصبح محاصرة من الشرق بجنود القطب الواحد للعالم الذي أصبح حاضرا إقليميا، وهو ما أدى إلى تغيير كامل اللوحة الشرق أوسطية وخاصة مع اتجاه الإدارة الأمريكية، بعد حضورها المباشر إلى المنطقة، لإعادة النظر بالأدوار الإقليمية لدول المنطقة، الشيء الذي استطاعت القيادة الإيرانية حرفه مؤقتا، منعا من أن تكون البند الأول في جدول الأعمال الأمريكي، عبر سياساتها الأفغانية والعراقية الإرضائية للأمريكيين، فيما وقع الحاكم السوري في المطب عبر التمديد للرئيس اللبناني، مع أن مؤشرات كثيرة برزت في صيف العام 2004 كانت توحي بازدياد التوتر الأمريكي إزاء سورية بسبب سياساتها العراقية والفلسطينية، والتي انبنت - أي هذه السياسات - على تجاهلٍ لما قدمه وزير الخارجية الأمريكية باول في زيارته لدمشق بعد أسابيع من سقوط بغداد، في محاولته لإثبات أنّ الإقليمي مازال قادرا على كسر إرادة الدولي في المنطقة، كما جرى في عامي 1982 و1983 في لبنان، الشيء الذي ثبت الفشل الذريع له في فترة ما بعد 14 شباط/فبراير 2005 عندما حصل العكس لما جرى في لبنان الثمانينات، لمّا أجبرت الشرعية الدولية سورية على الخروج من لبنان. لقد واجهت سورية إثر تسارع المتغيرات الدولية، عقبات كبيرة في وجه دورها الإقليمي، وتوجهاتها وسياساتها الخارجية عموما.

وكان ذلك نتيجة متغيّرات مهمة في بنيان النسق الدولي، وتوجهات السياسة الدولية، في عصر هيمنة القطبية الوحيدة، وتراجع دور الأنساق والنظم الفرعية، كالنظام الإقليمي العربي، وتراجع دور المنظمات والمؤسسات الدولية، التي طالما استندت عليها دول عالم الجنوب في تدعيم مراكزها. ومما يزيد من هذه العقبات تداخل الملفين السوري والإيراني ضمن الأجندة الدولية، فالإدارة الأمريكية تبحث عن " أفضل الوسائل للتعامل مع التهديدات والتحديات التي يواجهها المجتمع الدولي بسبب خروج كل من سورية وإيران عن السياق الإقليمي والدولي وتهديدهما لأمن واستقرار المنطقة والعالم ".